صراحة نيوز – ايات البرغوثي
أنا فلسطينية، وأعتز بأصولي ، وأنا أردنية واعتز بهويتي، وأعتز بالوطن الذي أنتمي إليه وأحمل رقمه الوطني بكل فخر.
هويتي ليست محل مساومة، ولا انتمائي يقبل التشكيك، وأؤمن بأن الولاء للأردن موقفٌ ثابت لا يحتاج إلى إثبات، كما أعتز بجذوري الفلسطينية التي لن تكون يومًا سببًا للانتقاص من وطني. فلا تجعلوا من فلسطين خصمًا للأردن، ولا من الأردن خصمًا لفلسطين. فهذه معركة لا تخدم إلا من يريد تمزيق الصف العربي، أما نحن فنعرف أن ما يجمع الشعبين أكبر من كل حملات التحريض، وأقوى من كل الأصوات التي تتغذى على الفتنة.
وما يحزنني اليوم ليس اختلاف الآراء، بل محاولات زرع الكراهية بين شعبين لم يعرفا يومًا إلا الوقوف إلى جانب بعضهما.
من الظلم أن يُختزل موقف شعب كامل بمنشور أو مقطع فيديو أو رواية تُنشر هنا وهناك. فمن عاش في الأردن يعرف جيدًا كيف تألم الناس لغزة، وكيف أُلغيت الأفراح، وجُمعت التبرعات، وخرجت المسيرات، وكيف شعر الجميع أن ما يحدث في فلسطين يمسهم شخصيًا.
نعم، قد تقع أخطاء، وقد توجد تجاوزات، لكن لا يجوز أن تتحول أخطاء أفراد إلى اتهام لوطن كامل أو شعب كامل.
فلسطين قضية حق، والأردن سندٌ لم يتخلَّ عن هذه القضية، مهما حاول البعض تشويه الصورة أو بث الفرقة بين الشعبين.
لقد كان الشعب الأردني، ولا يزال، من أكثر الشعوب إحساسًا بمعاناة أهل غزة. شاركهم الحزن، وألغى الأفراح، وأغلق المحال التجارية، ونظّم الوقفات والمسيرات، وتبرّع بما استطاع، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها. كثيرون اقتطعوا من قوت أبنائهم ليقدّموا العون لإخوانهم في فلسطين، إيمانًا منهم بأن المصاب واحد، وأن الدم واحد.
وكم من عريسٍ وعروسٍ اختارا أن تكون فرحتهما صامتة، احترامًا لآلام أهل غزة، وشعورًا بأن الفرح لا يكتمل فيما الأبرياء تحت القصف.
ولمن يروّج بأن الأردن كان متقاعسًا، أطرح سؤالًا بسيطًا:
أيُّ قائدٍ في العالم خاطر بنفسه، وولي عهده، وابنته، في طلعاتٍ جوية لإيصال المساعدات إلى منطقة حرب؟ وحتى لو كانت تلك العمليات تتم ضمن ترتيباتٍ عسكرية معروفة، فهل كان أحدٌ يملك ضمانةً بأن الاحتلال، المعروف بانتهاكاته واستهتاره بالقوانين الدولية، لن يستهدف تلك الطائرات أو يفتعل كارثة؟ لقد كان الخطر حقيقيًا، وكانت المسؤولية عظيمة.
أما الشعب الأردني، فلم ينظر إلى فلسطين يومًا على أنها قضية الآخرين، بل اعتبرها قضيته، وحملها في وجدانه قبل شعاراته. وما يزال كثيرون يرون أن ما يفرّق بين الأردن وفلسطين ليس سوى حدودٍ رسمتها السياسة، أما التاريخ، والدم، والهوية، والمصير، فهي أمورٌ لا تعرف الحدود.
ويبقى الذباب الإلكتروني، أينما كان، أداةً لزرع الكراهية وتأجيج الانقسام بين شعبين يجمعهما التاريخ والنسب والمصير المشترك. لكن الوعي سيبقى أقوى من كل حملات التحريض، وستبقى الأخوة أعمق من كل محاولات التفريق.
عاشت فلسطين عربيةً عزيزةً أبية.
وعاش الأردن شامخًا كريمًا.
ولا عاش كل صوتٍ يسعى إلى تمزيق الصف وإشعال الفتنة بين أبناء الدم الواحد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

