صراحة نيوز- عوض ضيف الله الملاحمة
نتيجة ما عايشنا من نضال لتحرير الأوطان ، وتحرر الإنسان ، في الكثير من دول العالم ، ولِكثرة ما تابعنا أنا وجيلي من حروب تحرر وتحرير ، عرفنا انه يكون هناك مقاييس وحسابات دقيقة للأضرار والخسائر الناتجة عن العمليات النضالية . وعلى هذا الميزان يتم إنتقاء وسائل النضال التي من الواجب القيام بها .
كُلفة النضال دوماً هي المقياس والمؤشر للإقدام على بعض العمليات او الإحجام عنها .
في حال القضية الفلسطينية مثلاً ، في إنتفاضة الحجارة الأولى الباسلة تم اللجوء الى إستخدام الحجارة فقط ، بقيادة قائدها ، ومهندسها ، وبطلها المناضل العتيد ، العنيد ، الشهيد / خليل الوزير ( ابو جهاد ) ، التي إنطلقت عام ١٩٨٧ ، حيث ساهم المناضل ( أبو جهاد ) ، بشكل فعّال في توجيهها ، وتنظيم صفوفها ، ودعم إستمراريتها ، حتى إستشهاده في شهر نيسان ٤ /١٩٨٨ . وإستمرت الإنتفاضة حتى عام ١٩٩٣ ، حيث أجهضتها إتفاقية أوسلو .
وكانت هناك عدة أهدف من حصر فعاليات الإنتفاضة بإستخدام الحجارة فقط ، منها :—
١ )) توسيع المشاركة الجماهيرية في فعاليات الإنتفاضة .
٢ )) تجريد الإحتلال من تفوقه العسكري ، وشلّ آلة الإحتلال ، ومنعه من السيطرة على الأرض .
٣ )) إحراج الإحتلال أمام الرأي العام العالمي ، وكسب التعاطف الدولي مع القضية ، بإظهار التباين الصارخ بين جيشٍ مدجج بالسلاح ومدنيين عُزّل يدافعون عن حقوقهم .
٤ )) تثبيت حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن النفس بطرق عفوية بسيطة .
٥ )) والسبب الأهم والأمثل ، يتمثل في عدم إعطاء العدو الصهيوني ذريعة للفتك في الشعب الفلسطيني في الداخل .
وعليه أسأل : لماذا لم تتم مراعاة ما ذُكر أعلاه على حالة القُطر اللبناني الشقيق !؟
فكلنا نعرف انه ليس لدى لبنان أية مقدرة على مواجهة العدو الصهيوني بجبروته ، وبطشه ، وإجرامه ، والتفوق الهائل في قدراته العسكرية .
لا أحد يُنكِر فضل المقاومة اللبنانية في تحرير الجنوب اللبناني . فقد أبلت المقاومة اللبنانية بلاءاً حسناً في مقاومتها للمحتل الصهيوني ، عندما حولت الجنوب الى ساحة حرب طاحنة ، وأوقعت أفدح الأضرار في جيش العدو ، حتى أوصلوا العدو الى قناعة أكيدة بأن كُلفة إستمرار إحتلال جنوب لبنان باهظة جداً ، ولا يقدرون على تحملها بتاتاً . والسبب ان المقاتلين اللبنانيين البواسل كانوا يتربصون العدو في خنادق مخفية في الغابات ، وبمجرد مرور الدبابات او الآليات العسكرية الصهيونية ، يخرجون لها من الخلف ويقذفونها بقنبلة يدوية على برج الدبابة من المسافة ( صفر ) ، فتنفجر الدبابة وتتعطل ، ويُقتل طاقمها ، ويعود المقاتل المناضل الى خندقه ، وكأنه لم يفعل شيئاً ، بل وكأنه غير موجود ، ويبقى في خندقه البدائي المزود بالضروري من الطعام والشراب حتى تنسحب قوات العدو ، فيخرج من خندقه ويعود الى أهله .
بينما في حرب حزب الله الأخيرة مع العدو الصهيوني ، تغيرت كل معادلات ، ومعطيات ، وظروف المعركة كلياً . حيث تُمطِر المقاومة الأراضي المحتلة بصواريخ ، لا تتصف بدقة كبيرة في إصابة أهدافها ، فتكون النتيجة تدمير ، وقتل ، وتهجير كل سكان الجنوب اللبناني .
كانت حصيلة أضرار صواريخ المقاومة اللبنانية على العدو محدودة ، او ليست كبيرة مقارنة بالأضرار التي يوقعها العدو الصهيوني على لبنان . فكانت حصيلة خسائر لبنان : ( ٤,٣٢٨ ) شهيداً ، و ( ١٢,٢٢٧ ) جريحاً ، وتدمير ( ٣٧ ) بلدة وقرية في الجنوب اللبناني ، وتهجير ( ١,٢ ) مليون مواطن لبناني من الجنوب .
النتيجة ان لبنان تدمّر كلياً ، لدرجة انه لم يعد هناك دولة ، والإقتصاد تلاشى ، والليرة اللبنانية وصلت الحضيض ، وتحول لبنان الذي كانوا يسمونه باريس الشرق الى ساحات من الدمار الكلي خاصة في الجنوب ، ولم تتحرر فلسطين . صحيح ان العدو الصهيوني قد تأذى ، وإرتبك ، لكن ذلك لم يعكس شيئاً ملحوظاً ، ومحسوباً ، وملموساً على القضية الفلسطينية .
فلماذا نُدمر لبنان ، في حين ان النتيجة اننا لن نحرر فلسطين ؟
لماذا لم نقتدِ ونأخذ عبرة الموازنة بين الخسارة والربح وحجم الضرر من الإنتفاضة الفلسطينية الباسلة الأولى ؟
عقلانياً ، ومنطقياً ، وقومياً خسرت لبنان كل شيء ، ولم تكسب القضية الفلسطينية شيئاً يُحسب ، والمقاومة اللبنانية لها حسابات ومحركات أخرى غير فلسطين .

