صراحة نيوز- المستشار / جميل سامي القاضي
في حياة الأمم أيام لا تمر، وإن عبرت فوقها السنون، ولحظات لا تصبح جزءا من الماضي مهما ابتعدت عنها المسافات ، لأنها تتحول إلى نبض في الذاكرة، وإلى علامات فارقة في مسيرة الشعوب ، واليوم والأردن يستذكر مرور خمسة وسبعين عاما على استشهاد الملك عبدالله الأول بن الحسين، فإن الحديث لا يكون عن ذكرى رجل غاب، وإنما عن سيرة مؤسس ما زال حضوره ممتدا في تفاصيل الوطن، وفي ملامح الدولة، وفي الحكاية الأردنية منذ فجرها الأول وحتى يوم الناس هذا .
ونقول حين يعبر المؤسسون من التاريخ إلى الخلود فلم يكن عبدالله الأول رجلا عبر على صفحة التاريخ ثم انصرف، بل كان من أولئك الذين يصنعون منعطفات التاريخ نفسها ، كان يرى ما وراء اللحظة، ويقرأ ما خلف الأحداث، ويدرك أن الأمم لا تبنى على ضجيج العاطفة وحدها، ولا على رهانات السياسة العابرة، وإنما تبنى على البصيرة حين تتقدم الرؤية، وعلى الإرادة حين تشتد الخطوب، وعلى الرجال حين يكبرون بحجم أوطانهم.
في زمن كانت المنطقة العربية تتقلب فوق جمر التحولات الكبرى، وكانت الخرائط ترسم بمداد المصالح وصخب الصراعات، حمل المؤسس مشروعه الوطني بثقة المؤمن برسالته، ومضى يزرع في أرض قاسية بذور دولة حديثة، لم تكن تملك ترف الوقت ولا وفرة الإمكانات، لكنها امتلكت ما هو أعظم من ذلك كله امتلكت إرادة البناء وعزيمة البدايات
ولأن القادة الكبار لا يعيشون لأنفسهم وحدهم، لم يكن الأردن في وجدان عبدالله الأول مجرد حدود وأرض ومؤسسات، بل كان فكرة تحمل معنى الاستمرار، ورسالة تتجاوز الجغرافيا إلى التاريخ ، وكانت قضايا الأمة حاضرة في وعيه السياسي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي رآها قضية حق وهوية ومصير، وكانت القدس تحتل في وجدانه مكانة تتجاوز السياسة إلى الانتماء والضمير.
ثم جاء ذلك اليوم الثقيل من تموز عام 1951، حين ارتقى الملك عبدالله الأول شهيدا على أعتاب المسجد الأقصى المبارك، في لحظة لم تكن مجرد حادثة اغتيال لرجل دولة، بل كانت صدمة أصابت الوجدان العربي، وحدثا سياسيا ما تزال أصداؤه تتردد في صفحات التاريخ حتى اليوم.
خمسة وسبعون عاما مضت، وما تزال تلك الحادثة تحمل معها أسئلة لم يخفت صداها بالكامل إذ بقيت خلفياتها وملابساتها وتفاصيلها السياسية موضع نقاش وتأويل ودراسة بين المؤرخين والباحثين، في ظل تشابكات مرحلة كانت تضج بالصراعات والحسابات الإقليمية المعقدة ، وبين ما قيل وما كتب وما بقي حبيس الظلال، ظلت بعض الأسئلة معلقة في فضاء التاريخ، غير أن الحقيقة التي لا يغشاها غبار التأويل بقيت أكثر وضوحا من كل الروايات، أن رصاصات الغدر استطاعت أن توقف قلب الرجل، لكنها لم تستطع أن توقف مسيرة الدولة التي أسسها، ولا أن تطفئ الفكرة التي حملها.
واليوم، وبعد ثلاثة أرباع قرن من استشهاد المؤسس، يقف الأردن شاهدا حيا على أن مشاريع الدول العظيمة لا تنتهي برحيل أصحابها، وأن الرجال الذين يزرعون أوطانا في الأرض لا يرحلون تماما، لأنهم يتركون في ذاكرة الشعوب جذورا أعمق من الزمن نفسه. خمسة وسبعون عاما على الاستشهاد ، وما زال عبدالله الأول حاضرا ليس باعتباره اسما في كتاب تاريخ، بل باعتباره بداية الحكاية التي ما تزال تُكتب.

