صراحة نيوز- د. منى النحلاوي
في مجتمعاتنا، عندما تخطئ المرأة في اتخاذ قرار، تُواجَه غالبًا بانتقادات لاذعة تُحمّلها عبئًا نفسيًا ومعنويًا، ويُقال إنها عاطفية لا تصلح لاتخاذ القرارات، وأن عليها مراجعة نفسها. بينما يظل الخطأ الذي يقع فيه الرجل في كثير من الأحيان مجرد تجربة أو ظرف عابر لا ينتقص من أهليته.
ويكفي أن التاريخ قدّم نماذج لنساء قدن أممًا بحكمة، ومن أبرزها ملكة سبأ التي عرضها القرآن نموذجًا للقائد الذي تشاور وتأنّى قبل اتخاذ القرار، حتى وصلت إلى قرار جنّب قومها ويلات الحرب.
إن ازدواجية المعايير تعني الكيل بمكيالين عند تقييم السلوك أو القرارات. ولا تزال مجتمعات كثيرة تعاني من إرث التمييز البطريركي الذي ينظر إلى المرأة باعتبارها أقل قدرة على اتخاذ القرار، فتُقابَل آراؤها بالتشكيك أو التقليل من شأنها، بل قد تُواجَه بعبارات مثل: “أنتِ لا تفهمين شيئًا” أو بالسخرية من اجتهادها. وفي المقابل، يُفترض أن قرار الرجل نابع من العقل والمنطق، حتى قبل أن تُعرف نتائجه.
وفي مجالات العمل والقيادة تظهر هذه الازدواجية بوضوح؛ فإذا أظهرت المرأة الحزم وُصفت بالمتسلطة، وإذا أبدت تعاطفًا قيل إنها ضعيفة ولا تصلح للقيادة. أما الرجل، فإن الحزم ذاته يُعد دليلًا على قوة الشخصية وحسن الإدارة.
وقد رأى أرسطو أن المرأة أقل أهلية عقلية وسياسية من الرجل، وهو تصور يعكس سياقه التاريخي أكثر مما يعبر عن حقيقة القدرات الإنسانية. وعلى النقيض من ذلك، دافع جون ستيوارت مل عن حق المرأة في المشاركة الكاملة في اتخاذ القرار، معتبرًا أن إقصاءها لا يظلمها وحدها، بل يهدر طاقات المجتمع بأسره.
وعندما ينجح الرجل في قراره، يُنسب النجاح إلى حكمته وكفاءته، وإذا أخفق تُعزى الأسباب إلى ظروف خارجة عن إرادته. أما المرأة، فكثيرًا ما يتحول الخطأ الواحد إلى دليل يُستخدم للتشكيك في أهليتها كلها، وكأن العقل امتياز مُنح للرجل، بينما تُطالب المرأة في كل مرة بإثبات أهليتها من جديد.
ولعل جذور هذه المعايير المزدوجة تعود إلى التقسيم التقليدي للأدوار الذي رسخته بعض الفلسفات القديمة، حيث خُصِّص للرجل الفضاء العام من سياسة واقتصاد وقيادة، بينما حُصرت المرأة في الفضاء الخاص داخل الأسرة. ومع مرور الزمن تحولت هذه التصورات إلى أحكام اجتماعية ما زالت تؤثر في نظرتنا إلى الكفاءة والقيادة.
إن العدالة لا تتحقق عندما نمنح الرجل حق الخطأ ونحرم المرأة منه، بل عندما نقيس الكفاءة بالقدرة والمسؤولية لا بالنوع الاجتماعي. فالعقل ليس ذكرًا ولا أنثى، وإنما ملكة إنسانية تزدهر حين تجد بيئة تؤمن بها وتمنحها الفرصة.
وأنت عزيزي القارئ…
هل تعتقد أننا ما زلنا نحصر المرأة في الفضاء الخاص وننظر إلى قراراتها بعين الشك، أم أننا بدأنا نحترمها بوصفها صاحبة فكر وحكمة ومسؤولية، كما نحترم الرجل؟
من مشروع العداله الانسانيه والوعي الناقد

