صراحة نيوز- د. منى النحلاوي
ماذا لو لم يمت الذئب في الغابة، بل غيّر شكله وانتقل إلى شاشاتنا؟
ربما لم تكن حكاية (ليلى والذئب) مجرد قصة للأطفال، بل رمزًا مبكرًا لصراع الإنسان مع الخداع والخطر واليوم، تُعيد الحكاية تقديم نفسها في سيناريو معاصر ومثير فالغابة لم تعد أشجارًا مظلمة، بل فضاءً رقميًا واسعًا تختبئ داخله ذئابا أكثر دهاءً وقدرة على التخفي.
ليلى في عصرنا هي كل مستخدمة تدخل هذا العالم بحثًا عن التواصل والمعرفة، والإنترنت هي غابتها الجديدة. وفي الحقيقة لم يكن اختيار اللون الأحمر لرداء ليلى عابرًا فهو لون يرمز للحيوية والإثارة، لكنه في الوقت ذاته شارة تحذيرتمامًا كالأثر الرقمي الذي يمنحها حضورًا لكنه يجعلها مكشوفة أمام من يتربص بها، فالذئب لا يطارد من يختبئ بل ينتظر آثار الخطوات.
ومن هنا تبدأ القراءة الجديدة للحكاية عبر مفهوم(الميكافيلية الرقمية) حيث تصبح البيانات، والسيطرة على الانتباه، وتحقيق الأرباح غايات تُبرَّر من أجلها كل وسائل الخداع، فالذئب الرقمي لا يعتمد على القوة بل على ارتداء الأقنعة؛ لا يقتحم الباب، بل يجعل الضحية تفتحه بكامل إرادتها، فيظهر في صورة حساب موثوق، أو إعلان مستهدف، أو رسالة ودية تسأل بكل لطافة: إلى أين أنتِ ذاهبة؟ ما اهتماماتكِ؟ من هم أصدقاؤكِ؟ ليمنح ليلى الرقمية شعورًا زائفًا بالأمان.
من رحم هذه الثقة الوهمية تُبقي المنصات ليلى متصلة أطول وقت ممكن عبر عناوين براقة واختبارات ترفيهية، إلى أن تضغط زر الموافقة على الشروط والأحكام، وطبعًا دون قراءة وبذلك تُسلّم خطوة بخطوة صورها، ومنشوراتها، واهتماماتها، وكل ما يلزم الذئب ليسبقها إلى “بيت الجدة” ليعيد صياغة الحكاية.
ويكون الحوار الجديد القديم في أسئلة ليلى الرقمية:
جدتي، لماذا عيناك كبيرتان؟ لأرصد تحركاتك وأعرف تفاصيل حياتك.
جدتي، لماذا أذناك كبيرتان؟ لأسمع ما تبحثين عنه وما تهتمين به.
جدتي، لماذا فمك كبير؟ لأبتلع بياناتك وأموالك وهويتك بضغطة زر.
المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في اللحظة التي يتحول فيها الإنسان إلى مجرد بيانات، وتصبح الثقة نقطة ضعف يُستغل بها. فالذئاب الرقمية اليوم لا تبحث فقط عن ضحية، بل تبحث عن إنسان لا يدرك قيمة أثره الرقمي.
وجميعنا نرتدي الرداء الأحمر، والذئب لم يعد يسكن الغابة، بل يتربص بنا خلف الشاشة.
وسؤال لك عزيزي القارئ:
كم مرة ضغطت فيها على “موافق” على الشروط والأحكام دون أن تقرأ كلمة واحدة؟ وهل تشعر أنك تمنح الذئب قناع الجدة بإرادتك؟
من سلسلة: العدالة الإنسانية والوعي الناقد

