صراحة نيوز- د. من رضا البطوش
كان ذلك جليا في اللقاء الوطني الكبير الذي احتضنته مضارب عشائر بني ليث الابية في البتراء، في التاسع والعشرين من آب 2026، وبدعوة كريمة من معالي الاستاذ الدكتور عوض خليفات، رجل عُرف بالعطاء والتضحية والوفاء في خدمة الوطن والقيادة الهاشمية، وفي رحاب اهله من عشائر بني ليث الاصيلة، التي جعلت من مجالسها فضاء للحكمة وكرم الموقف وحسن الاستقبال.
كان اللقاء وطنيا بامتياز، جمع ابناء من مختلف مناطق المملكة، على اختلاف مواقعهم وآرائهم وتوجهاتهم، حول فكرة جامعة عنوانها الاردن، ومستقبله، وامنه واستقراره، والتحديات الداخلية والاقليمية المتسارعة التي تواجهه.
وما اختيار البتراء في وادي موسى لهذا اللقاء إلا رسالة بليغة؛ حيث تتجاور فيها عراقة التاريخ مع أصالة الانسان، رسالة تذكرنا بأن الحضارات تبقى ما بقيت القيم، وأن الامم تعلو حين يكون أبناؤها على قلب رجل واحد. وأن العشيرة، في مفهوم الدولة الاردنية، ليست إطارا للانعزال، وإنما رافد من روافد الدولة، وشريك في ترسيخ الامن والاستقرار، وحماية النسيج الوطني.
ولعل اهمية اللقاء لا تكمن في حجم الحضور وتنوعه فحسب، وان كان ذلك يحمل دلالة واضحة، بل في توقيته ومضمونه والرسالة التي حملها المشاركون، بأن هناك قلق وطني حقيقي يستحق ان يسمع، والحديث عن مواطن الخلل لا يعني التشكيك بالدولة، كما ان المصارحة حين يكون موضوعها الوطن ليست خروجا على المسؤولية، بل هي في جوهرها مسؤولية وطنية.
ومن هنا تكتسب المبادرة التي يقودها معالي الاستاذ الدكتور عوض خليفات اهميتها، باعتبارها دعوة الى اعادة الاعتبار للحوار المسؤول، وثقافة الالتقاء على القواسم المشتركة، ولغة العقل التي كانت على الدوام من اسباب قوة الدولة الاردنية وقدرتها على تجاوز التحديات. انها دعوة الى تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، والى الايمان بان الاختلاف في الرأي لا ينبغي ان يتحول الى خلاف في الانتماء، وان تعدد الاجتهادات لا ينتقص من وحدة الصف، بل يمكن ان يثريها متى اجتمعت حول المصلحة العامة، واحترام الدولة، وصون مستقبل الوطن.
ان المصارحة الوطنية ليست خصومة مع الدولة، والاختلاف ليس خلافا في الانتماء، والنقد المسؤول ليس هدمًا لمؤسسات الوطن، بل ان اخطر ما يمكن ان نفعله في اللحظات الصعبة هو ان نصمت عن الخلل حتى يصبح اصلاحه اكثر كلفة.
ففي محيط اقليمي شديد الاضطراب، تجري تحولات جيوسياسية كبرى، وتبرز مخاطر حقيقية تمس امننا الوطني، وفي مقدمتها المحاولات الرامية الى تصفية القضية الفلسطينية او فرض حلول على حساب الاردن وشعبه، بما يحمله ذلك من تداعيات لا يمكن للدولة الاردنية ولا لشعبها القبول بها.
وفي الداخل، تبرز تحديات لا تقل اهمية، وفي مقدمتها تداخل مثلث خطير، قوامه الفقر والبطالة، بالتزامن مع تنامي نفوذ نخب ذات سمات أوليغارشية، تتركز لديها الثروة وادوات التأثير، بما قد ينعكس على القرار العام واولويات التشريع، ويثير مخاوف مشروعة حول الحريات ومدى انسجام بعض التشريعات مع المبادئ الدستورية. ان اتساع هذا النفوذ يضعف تكافؤ الفرص، ويعمق الفوارق الاجتماعية، ويزيد الشعور بالتهميش، ويقوض الثقة بمؤسسات الدولة، لا سيما عندما تصبح الفرص مرتبطة بالمال والعلاقات، بدلا من الكفاءة والاستحقاق.
نحن دولة قوية، يستند استقرارها الى نظام سياسي راسخ شكل على مدى عقود ركيزة اساسية في حماية الدولة وتماسكها. ومن هذه القوة ذاتها، علينا ان نمضي بخطى ثابتة وواثقة نحو دولة المستقبل التي نريدها؛ دولة القانون والمؤسسات، وتكافؤ الفرص، والمنافسة العادلة، والشفافية والمساءلة، والنزاهة، ومنع تضارب المصالح واحتكار الفرص، وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية والسياسية. دولة تكون فيها الثروة وسيلة لبناء الاقتصاد وتحقيق التنمية وتحسين حياة المواطنين، لا اداة لاحتكار الفرص او التأثير في القرار العام. ودولة يشعر فيها كل اردني بان مستقبله لا تحدده الواسطة ولا النفوذ، وانما الكفاءة والعمل والاستحقاق.
من مضارب بني ليث، كان الصوت واضحا: نختلف في الرأي، لكننا نجتمع على الأردن، نناقش بصدق، ونختلف بمسؤولية، ونلتقي عند مصلحة الوطن، وهذه هي قوة الدولة الحقيقية، ان يبقى ابناؤها قادرين على الحوار، وان تبقى المصارحة بابا للإصلاح، وان تظل وحدة الصف الوطني فوق كل اختلاف

