صراحة نيوز- بقلم : المهندس سمير سليمان
لم يعد قطاع النخيل في الأردن مجرد نشاط زراعي آخذ بالتوسع، بل أصبح واحدًا من أكثر القطاعات الزراعية انتظامًا، وأكثرها حضورًا في الأسواق الخارجية، مستندًا إلى استثمارات مبكرة وخبرة تراكمية استطاعت أن تضع تمور المجهول الأردنية في موقع تنافسي مهم.
وتقدر المساحات المزروعة بالنخيل في المملكة بنحو50 ألف دونم، تمتد على طول وادي الأردن وصولًا إلى العقبة، إضافة إلى منطقة الأزرق شرق المملكة. وقد ساهم رواد القطاع، منذ سنوات، في بناء قاعدة إنتاجية وتصديرية جعلت من المجهول الأردني أحد أبرز المنتجات الزراعية الأردنية الموجهة إلى الأسواق العالمية.
وكان تأسيس جمعية التمور الأردنية عام 2005 من مجموعة من رواد زراعة النخيل محطة مهمة في مسيرة القطاع، ليس فقط من ناحية تنظيم الانتاج ، وإنما في تعزيز العمل الجماعي والتعامل مع القضايا التي تؤثر في الإنتاج والتسويق والتنافسية.
وتكمن قوة قطاع النخيل الأردني في أنه لم يراهن على التوسع الكمي وحده، بل على الجودة والقيمة والقدرة على التصدير. فتمور المجهول الأردنية اصبحت تتمتع بسمعة جيدة في الأسواق الخارجية، وأصبح القطاع من أكثر القطاعات الزراعية انفتاحًا على التصديرواستخدام التقنيات الحديثة ، وهو ما يمنحه أهمية تتجاوز حجم المساحات المزروعة إلى القيمة الاقتصادية التي يضيفها للاقتصاد الوطني.
لكن الحفاظ على هذا النجاح يتطلب الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما.
فالتوسع في المساحات والإنتاج يجب أن يترافق مع رفع إنتاجية الدونم وخفض كلف الإنتاج، وفي مقدمة ذلك كلفة العمالة والمياه.خاصة مع محدودية الموارد المائية في الأردن، فإن تحسين كفاءة استخدام المياه وتقليل الهدر في المزارع يمثلان عاملًا أساسيًا في تعزيز تنافسية التمور الأردنية، وليس مجرد قضية بيئية وقد تنبهت جمعية التمور لهذا الامر وتنفذ حاليا مشروعا يعتمد على رفع كفاءة استخدام المياه داخل مزارع النخيل باستخدام احدث التقنيات .
كما انها تعمل مع وزارة الزراعة على خطة وطنية لحماية أشجار النخيل من الأمراض والآفات، وفي مقدمتها سوسة النخيل الحمراء، اذ اصبح حماية الاشجار من الافات جزءًا أساسيًا من استدامة القطاع، خصوصًا في ظل التغيرات المناخية التي قد تؤثر في انتشار بعض الآفات وسلوكها. وهنا تبرز أهمية التعاون بين المزارعين والجهات الفنية والمؤسسات المعنية، وتطوير أساليب الرصد والوقاية والمكافحة.
وفي هذا السياق، فإن دور جمعية التمور الأردنية يتجاوز تمثيل المزارعين إلى المساهمة في معالجة القضايا التي تمس مستقبل القطاع، من خفض كلف المياه والعمالة وتشجيع التقنيات الحديثة، إلى تعزيز الوعي والممارسات المرتبطة بحماية أشجار النخيل وجودة الإنتاج.
أما المرحلة المقبلة، فتحتاج إلى التركيز بصورة أكبر على تعظيم القيمة المضافة. فزيادة الإنتاج والتصدير مهمة، لكن الأهم هو رفع قيمة المنتج قبل وصوله إلى الأسواق، من خلال تحسين طرق الفرز والتدريج والتعبئة والتخزين والتبريد، والتوسع في تصنيع منتجات التمور، وتطوير العلامة التجارية للتمور الأردنية.
كما أن المحافظة على الأسواق الحالية وفتح أسواق جديدة يتطلبان استمرار الاستثمار في الترويج والجودة والمواصفات والتسويق، وعدم التعامل مع النجاح التصديري باعتباره أمرًا مضمونًا. فالأسواق العالمية تتغير باستمرار، والمنافسة لا تعتمد على جودة المنتج وحدها، وإنما على السعر، واستمرارية التوريد، والمواصفات، والقدرة على الاستجابة لاحتياجات المستهلك.
لقد نجح الأردن في بناء قطاع نخيل يمتلك مقومات حقيقية للريادة: منتج عالي الجودة، قاعدة استثمارية، خبرة متراكمة، وتنظيم أفضل من كثير من الأنشطة الزراعية، إلى جانب حضور متزايد في الأسواق الخارجية.
والتحدي اليوم ليس إثبات نجاح قطاع النخيل، وإنما المحافظة على هذا النجاح وتطويره؛ من خلال إدارة أفضل للمياه، وخفض كلف الإنتاج، وحماية الأشجار، ورفع إنتاجية الدونم، وتعظيم القيمة المضافة، وتوسيع قاعدة الأسواق.
فإذا كانت المرحلة الماضية قد صنعت قصة نجاح أردنية في زراعة وإنتاج وتسويق تمور المجهول الاردنية ، فإن المرحلة المقبلة قادرة على نقل هذه القصة إلى مستوى أعلى، تجعل من قطاع النخيل الأردني نموذجًا للزراعة التنافسية القادرة على الثبات بعلامتها التجارية في الاسواق العلمية ، وتحقيق قيمة اقتصادية مستدامة للمزارع والاقتصاد الوطني.

