صراحة نيوز- م مدحت الخطيب
تابعتُ كلمة معالي العين الدكتور خالد الكلالدة دون مبالغة عشر مرات،وفي كل مرة كنت أتوقف عند نقطة جديدة حتى عند تغير نبرة الصوت وتداخل الكلمات ،لكن الانطباع بقي واحداً:هذه هي المداخلة التي نحتاج إلى سماعها تحت قبة مجلس الأعيان
لم أتوقف فقط عند مضمون الكلمة فهي مرافعة قانونية هندسية إدارية علمية وطنية بامتياز ولها الف معنى لمن يحلل مابين السطور ، نعم توقفت عند جرأة الطرح ،ووضوح الموقف،ومستوى الملاحظات التي وضعها الدكتور الكلالدة أمام الدولة دون مواربة أو مجاملة هو لم يترك الباب مواربا بل قال ما يجب أن يقال بكل هدوء ودون تشويش او صراخ
أن يتحدث عين بهذا المستوى من الصراحة،وأن يضع يده على مكامن الخلل،
وأن يطرح الأسئلة الصعبة،فهذه ليست مجرد مداخلة عابرة،وإنما ممارسة حقيقية للدور الذي يجب أن يقوم به مجلس الأعيان.فهو مجلس الملك،ومجلس الخبرة
والنصح والمشورة.ومن هنا فإن العين لا ينبغي أن يكون صوته مجرد صدى لما يُقال،ولا أن تكون مهمته التصفيق أو تمرير الأمور بلا نقاش؛بل أن يكون الناصح الأمين الذي يرى ما قد لا يراه الآخرون،ويقول ما يجب أن يُقال،في الوقت الذي يجب أن يُقال فيه
فالنصيحة التي تخشى إزعاج المسؤول ليست نصيحة،والمجاملة لا تصنع إصلاحاً،والصمت أمام الخلل لا يحمي الدولة
وجلالة الملك،لا يحتاج إلى من يقول له دائماً إن كل شيء على ما يرام؛بل يحتاج إلى من يقول له:هنا وقع خطأ ،وهنا حدث خلل يجب أن يُعالج،وهنا قرار يحتاج إلى مراجعة
وهذه ليست جرأة على الدولة…هذه جرأة من أجل الدولة وحمايتها
وهي بالطبع ليست إضعافاً للحكومة…بل إسناد لها بالنصيحة الصادقة والرأي المسؤول
نحن بحاجة اليوم إلى مجلس أعيان أكثر حضوراً في المشهد الوطني،وأكثر قدرة على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي والاستشاري بروح المسؤولية
نحتاج إلى أعيان لا يخشون طرح الأسئلة الصعبة،ولا يتحاشون تسمية الأشياء بأسمائها،ولا يسمحون للحسابات الشخصية أو السياسية أن تحجب عنهم جوهر المسؤولية..
فالدولة القوية ليست الدولة التي لا يُسمع فيها إلا صوت واحد،وإنما الدولة التي تمتلك مؤسسات قادرة على المكاشفة والنصح والتصويب،ثم اتخاذ القرار بعد أن تسمع كل الآراء…
الأردن اليوم،وفي هذه المرحلة تحديداً،فهو بحاجة إلى لغة مختلفة؛لغة المسؤولية،ولغة الخبرة،ولغة المكاشفة.لغة تقول ما يجب أن يقال،لا ما يحب البعض أن يسمعه
ولهذا فإن مداخلة الدكتور خالد الكلالدة تستحق التوقف عندها،ليس لأنها مداخلة سياسية فحسب،بل لأنها تذكّرنا بما ينبغي أن يكون عليه دور العين عندما يحمل أمانة موقعه
عضوية مجلس الأعيان ليست وجاهة،وليست لقباً،وليست مقعداً مريحاً في مؤسسة دستورية.إنها أمانة أمام الملك،ومسؤولية أمام الوطن وشهادة للتاريخ
ومن هنا،فإننا بحاجة إلى المزيد من هذه الأصوات تحت قبة الأعيان؛أصوات تمتلك الخبرة والشجاعة،وتعرف أن قول الحقيقة في وقتها قد يكون أهم من ألف كلمة مجاملة..
نريد مجلس أعيان يتحدث عندما يجب أن يتحدث،وينصح عندما يجب أن ينصح،ويضع يده على الجرح دون خوف،ويقول للمسؤول ما يحتاج إلى سماعه،لا ما يرغب في سماعه
فحين يتحدث «مجلس الملك» بهذه الجرأة…فأنصتوا
لأن صوت الناصح الأمين،حين يصدر من موقع المسؤولية،لا يُضعف الدولة
بل يقوّيها
حمى الله الأردن وجيشه وشعبه وقيادته وسيبقى على هذه الأرض ما يستحق العمل والإنجاز والبناء
Medhat_505@yahoo.com
مقالي ليوم الأحد

