العمل اللائق… من حبر الاستراتيجيات إلى وجع الخريجين

5 د للقراءة
5 د للقراءة
العمل اللائق... من حبر الاستراتيجيات إلى وجع الخريجين

صراحة نيوز- بقلم: الدكتور محمد خالد العزام

في الأردن، لا تنقصنا الاستراتيجيات ولا البرامج ولا العناوين الكبيرة، لكن السؤال الذي يزداد إلحاحًا هو: متى تتحول هذه الخطط من حبر على الورق إلى واقع يلمسه المواطن في راتبه ووظيفته ومستقبله؟

الحديث عن «العمل اللائق» ليس ترفًا فكريًا، ولا شعارًا يصلح للمؤتمرات فقط؛ فهو حق يرتبط بفرصة العمل، والأجر العادل، والأمان الوظيفي، والحماية الاجتماعية، وحق الإنسان في أن يعمل في بيئة تحفظ كرامته وتتيح له التطور.

والأردن ليس جديدًا على هذا الملف، فقد مضى سنوات في التعاون مع منظمة العمل الدولية ضمن برامج وطنية للعمل اللائق، وأُعلن في أيار 2026 عن برنامج العمل اللائق الجديد للأعوام 2025–2027. لكن المواطن لا يريد أن يسمع فقط عن البرامج؛ يريد أن يرى نتائجها.

ولعل أكثر الملفات إيلامًا قضية الخريجين، ولا سيما حملة الدكتوراه.

كم من حامل دكتوراه يعمل خارج تخصصه؟ وكم من باحث اضطر إلى طرق أبواب وظائف لا علاقة لها بما أفنى سنوات عمره في دراسته؟ وكم من صاحب أعلى شهادة أكاديمية وجد نفسه في المدرسة، بينما كان يمكن أن يكون في الجامعة أو مركز البحث العلمي أو مؤسسة إنتاجية تستفيد من خبرته؟

إن العمل في التعليم المدرسي ليس عيبًا، بل هو رسالة نبيلة، لكن العيب أن تتحول الشهادة العليا إلى طريق مسدود، وأن يصبح صاحب الكفاءة مضطرًا إلى قبول أي وظيفة لأنه لم يجد المسار الذي يستثمر علمه.

وهنا نحتاج إلى سؤال صريح لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي: أين الخطة الوطنية لاستثمار حملة الدكتوراه؟

لماذا لا يكون هناك مسار مهني واضح للباحث الأردني، يرتبط بالإنتاج العلمي والبحث والابتكار، ويمنحه راتبًا يتطور مع خبرته وإنجازاته؟ لماذا لا تكون الجامعة ومراكز البحث العلمي بوابة حقيقية أمام الكفاءات بدل أن يبقى الكثير منها ينتظر فرصة قد لا تأتي؟

والقضية أكبر من الدكتوراه؛ فهناك مهندسون يعملون في التطبيقات، وخريجون يعملون في مهن بعيدة عن تخصصاتهم، وكفاءات جامعية لا تجد الوظيفة التي تتناسب مع سنوات التعليم والتدريب.

المشكلة ليست في قلة الشهادات، بل في ضعف المواءمة بين الشهادة وسوق العمل.

وهنا يجب أن تلتقي وزارة العمل مع وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إلى جانب الجامعات والقطاع الخاص، لوضع خريطة وطنية حقيقية للموارد البشرية: من نُخرج؟ وأين يعمل الخريجون؟ كم منهم يعمل خارج تخصصه؟ وما الوظائف التي يحتاجها الأردن خلال السنوات المقبلة؟

لا نريد خطة أخرى تُضاف إلى رفوف المؤسسات، ولا مؤتمرات تُلتقط فيها الصور ثم تنتهي الحكاية. نريد أرقامًا، ومؤشرات، وجداول زمنية، ومساءلة عن التنفيذ.

فإذا كان الأردن يريد اقتصادًا قائمًا على المعرفة، فعليه أن يبدأ من الإنسان الذي يحمل هذه المعرفة. وإذا كانت الدولة تستثمر ملايين الدنانير في التعليم، فمن غير المنطقي أن ينتهي الاستثمار بخريج يحمل شهادة ويبحث عن أي عمل لا يمت بصلة إلى تخصصه.

العمل اللائق ليس أن تقول للخريج «وجدت لك وظيفة»، بل أن تقول له: وجدت لك وظيفة تحفظ كرامتك وتستثمر علمك وتفتح أمامك طريقًا للترقي.

لقد آن الأوان أن نغادر مرحلة الشعارات إلى مرحلة الفعل، وأن يتحول «العمل اللائق» من مصطلح جميل في الاستراتيجيات والبرامج إلى واقع يعيشه الدكتور والمهندس والمعلم والخريج والعامل.

فالأردن لا يعاني من فقر في العقول، وإنما يحتاج إلى إدارة أفضل لهذه العقول.

فالخريج الذي درس سنوات طويلة ثم يعمل بعيدًا عن تخصصه ليس رقمًا في جدول البطالة، بل قصة فشل في استثمار رأس المال البشري. والباحث الذي لا يجد مختبرًا، والمهندس الذي لا يجد موقعًا يطبق فيه علمه، والدكتور الذي لا يجد مسارًا أكاديميًا، كلهم رسائل يجب أن تُقرأ قبل أن تتحول الطاقات الوطنية إلى هجرة أو إحباط أو عمل لا يشبه أصحابها.

العمل اللائق لا ينتظر في الأدراج؛ إنه يحتاج إلى قرار، وإدارة، ومساءلة، وإرادة حقيقية لوضع الإنسان الأردني في المكان الذي يستحقه.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وولي العهد الأمين
والله من وراء القصد

شارك هذا المقال