صراحة نيوز- د.عبد الفتاح طوقان
بعد زيارتي لسور الصين العظيم قبل أكثر من خمس سنوات، ذلك المعلم التاريخي الذي استغرق سنوات من البناء واستنزف أرواح آلاف من الصينيين، قررت أن أستكمل رحلتي بزيارة إيطاليا، حيث استمتعت بجمال الفاتيكان ومبانيها التاريخية، ومن ثم انتقلت إلى فينيسيا. كانت هذه الزيارة فرصة لتوثيق ما رأته عيني من عظمة البناء والحضارة والفنون، وطرق البناء وتصميم المدن، لتكون مرجعًا للمهندسين ومحبي الفنون والرسم والنحت والعمارة.
الفاتيكان هي عظمة العمارة والفن منذ بدأت رحلتي في الفاتيكان، حيث استمتعت بجولة في كاتدرائية سانت بيتر، التي تعتبر واحدة من أعظم الإنجازات المعمارية في التاريخ. تتميز الكاتدرائية بقبتها الرائعة، والتي صممها المهندس المعماري ميشيل أنجلو. يُظهر التصميم الداخلي ثراء الفن والعمارة، مع وجود لوحات فنية رائعة ونقوش دقيقة، تجسد تاريخ الكنيسة وتتفوق على متحف اللوفر !! وتظهر عظمة المسيحية ليست فقط كدين بل كحضارة وذوق وفنون .
اما فينيسيا والتى اشتهرت بانها المدينة العائمة فانتقلت لها بعد ذلك عبر رحله استمرّت اربع ساعات بالقطار السريع من روما الي محطة سانتا لوتشيا . هذه المدينة التي بنيت على الماء والتي تمثل تحديًا هندسيًا فريدًا. تعتمد فينيسيا على مجموعة من الجزر الصغيرة، وتستخدم أعمدة خشبية مدفونة في قاع البحر كدعامات لمبانيها. هذا الأسلوب الهندسي ليس فقط مثيرًا للإعجاب، بل يعكس قدرة الإنسان على التكيف مع البيئة المحيطة به.
وكانت التحديات الهندسية في تصميم وبناء فينيسيا هي ضمن عبقرية البشر والمهندسين .
واقصد في مواجهة الظروف البيئية الصعبة، واجه المهندسون في فينيسيا عدة تحديات هندسية، منها:
اولا : الأسس الهشة حيث تعتمد المدينة على تربة رملية وطينية، مما يجعل البناء فيها يتطلب تقنيات متقدمة لضمان استقرار الهياكل. تتطلب هذه التربة تصميمًا خاصًا للأعمدة التي تُغمر في المياه.
ثانيا : المياه المالحة حيث تحتاج المواد المستخدمة في البناء إلى مقاومة التآكل الذي تسببه المياه المالحة، مما يزيد من تعقيد عمليات البناء.
ثالثا : صعوبة النقل والذي يتطلب نقل المواد إلى مواقع البناء باستخدام القوارب، مما يؤثر سلبًا على التكلفة والوقت.
رابعا : تأثير المد والجزر الذي يحدث كل ست ساعات، في تغير مستوى المياه، مما يتطلب مرونة في تصميم المباني لتكون قادرة على تحمل هذه التغيرات.
ولعل الهروب من الهجمات البربرية كان البداية فتاريخ فينيسيا يعود إلى عام 415 ميلادي، عندما تعرضت المدينة لهجمات من البربر. لجأ السكان في ذلك الوقت إلى بناء جزر صناعية واستخدام القنوات كوسيلة للحماية. هذا التحول ساعدهم في مقاومة الهجمات بشكل أفضل، مما مهد الطريق لتطوير المدينة كوجهة تجارية. استخدم الناس الخشب كمواد أساسية للبناء، مما ساعد في استقرار المباني على المياه.
ومع تطور المدينة، تم إغلاق ثلاثة من أصل ستة مداخل، مما جعل فينيسيا أكثر أمانًا ويصعب الوصول إليها من قبل الأعداء. ساهم هذا الإجراء في تعزيز الحماية، وجعل المدينة مكانًا أكثر أمانًا للعيش.
ولكن ابتلاع البحر للجزر الصغيرة على مر السنين للعديد من الجزر الصغيرة أدى إلى تقليص مساحة المدينة. تعتبر هذه الظاهرة نتيجة للتغيرات المناخية وارتفاع مستوى البحار، مما يتطلب استراتيجيات مبتكرة للحفاظ على المدينة.
ان فينيسيا ليست فقط مدينة جميلة، بل هي أيضًا مركز للفنون. من خلال زيارة متحف كورير، اكتشفت مجموعة غنية من الأعمال الفنية والتاريخية التي تعكس تطور الفنون في المدينة. كما أن مسرحية “تاجر البندقية” لشكسبير تبرز العلاقات التجارية والاجتماعية في المدينة، مسلطة الضوء على دور اليهود في الاقتصاد الفينيسي.
وعندما شاهدت المومياء المصرية في اكثر من متحف برز الي ذهني دور فاروق حسني في الثقافة المصرية ، لذلك، فإنه عندما اختار الرئيس محمد حسني مبارك الفنان التشكيلي فاروق حسني، الذي عاش في روما لسنوات وكان مديرا للاكاديمية المصرية للفنون بروما للفنون، ليصبح وزيرًا للثقافة في مصر، فإنه كان ينقل تجربة حضارية عالمية وثقافة فنية لإدارة شؤون الثقافة الفرعونية في مصر. لم يكن اختيار فاروق حسني الوزير الفنان مثلما حدث في وزارات ثقافة وحكومات عربية أخرى، ومنها الأردن ، حيث يُعتبر وزير الثقافة مجرد حامل حقيبة ترضية. في العديد من الحالات، جاء وزراء من المصادفة ولم يضيفوا شيئًا ملموسًا للثقافة في الأردن مثلما حدث في مصر سواء كان طه حسين او عبد الحميد رضوان او فاروق حسني .
واقصد هنا يأتي الفرق الجوهري، ففاروق حسني، بفضل خلفيته الفنية والثقافية، هو من ساهم في تأسيس المتحف المصري الكبير الذي يماثل المتاحف في روما وباريس. إن وجوده في موقع القرار يشير إلى أهمية اختيار القادة الذين يمتلكون رؤية ثقافية حقيقية، مقارنة بوزراء ثقافة آخرين لم يحققوا أي إنجازات ملموسة على ارض الًواقع ورحلوا دون ان يذكرهم احد او يذكر ما قاموا به او قدموه !!!!!
تعتبر هذه الزيارة إلى إيطاليا، من الفاتيكان إلى فينيسيا، تجربة غنية تستحق التوثيق. لقد أدهشتني عظمة البناء والتصميم، بالإضافة إلى الفنون التي تعكس تاريخ كل مدينة. هذه الرحلة ليست مجرد استكشاف للمعالم، بل هي مصدر إلهام للمهندسين ومحبي الفنون، حيث يمكن أن تكون مرجعًا غنيًا للتصميم والعمارةو ايضا اهمية اختيار وزير الثقافة !!!!!
انها فكرة الحضارة و التحضر و المسيحية وفنونها وعظمتها وتوثيقها عبر العصور .
aftoukan@yahoo.com

