صراحة نيوز- بقلم م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران
هذا عاهة ادفنوه وتخلصوا منه قبل أن يصبح عالة عليكم، بهذه الكلمات كانت النصيحة لأم أنجبت ابنها بتشوه في يده اليسرى (بلا أصابع)، ولتأتي النصيحة الذهبية بعدها (اللي ما يصلح يأخذ العصا ويسرح) أعتقوه لوجه الله واتركوه يواجه نصيبه في هذه الحياة!
جاء الطفل فواز بيد واحدة يصارع بها الحياة، وخلفه أباً يقف معه بكل ما أوتي من قوة، وأماً ترى أمل الدنيا من خلال النظر في عينيه، إلا أن قطار التحديات كان ملازماً لهذا الطفل منذ نعومة أظفاره، فيكون قدره بعدها فقدان عينه اليسرى ليصبح بيد وعين واحدة!
وهنا كان خوف الأب والأم يزداد على ولدهم وعلى مستقبله، لكن والد فواز كان محفزاً دائماً لولده برغم كل الظروف التي تحيط به، بل وكان يضع عليه أكبر المسؤوليات، وكانت أمه متابعة لكل خطوات ولدها ومسخرة كل قدراتها لمساعدته والوقوف بجانبه ما أمكنها ذلك، ولكن ماذا عن فواز؟ ترى هل انتهت لديه الأحلام ونظرات الأمل للمستقبل بسبب ظرفه الخاص؟
الحقيقة أن عين فواز لم تكن تنظر لفقدان يده وعينه كمبرر مسبق لأي فشل أو إخفاق في حياته، بل كانت تنظر وتتأمل وتتفكر في كيفية استخدام عينه ويده الصالحتين وكل إمكاناته الأخرى التي أنعم الله عليه بها في تذليل كل عقبة أمامه للوصول للنجاح والتميز بإذن الله، وهو ما تحقق بفضل الله تعالى ليكون الأول على المملكة الأردنية الهاشمية في الثانوية العامة، ثم الأول على دفعته باللغة الإنجليزية في الجامعة الأردنية، ثم الأول على دفعة الماجستير في أساسيات تدريس اللغة الإنجليزية في جامعة اليرموك، ثم منحة ملكية لإكمال دراسة الماجستير والدكتوراة في الولايات المتحدة الأمريكية، ليتدرج بعد ذلك الدكتور فواز عبدالحق كما يروي قصته هو بنفسه في المواقع الإدارية وصولاً لشغل موقع نائب رئيس جامعة اليرموك ثم رئيساً للجامعة الهاشمية، وليثبت للدنيا من جديد بأنه كم من يد واحدة فعلت مالم تفعله ألف يد، وكم من عين واحدة أبصرت مالم تبصره مئات العيون، ولتكون لحظة فقدانه يده وعينه لحظة البداية لكل النجاحات في حياته، وليست لحظة النهاية كما اعتقد كثيرون وقتها.
ولعل هذه السطور تكون تثبيتاً لحقيقة يغفل عنها الكثير عندما يغرق في التحديات، وهي أن كثير من المحن في حياتنا تخفي خلفها نعم عظيمة، ولكن لمن يصبر ويجتهد في إزاحة هذه المحن من طريقه لرؤية ما خلفها!
وبمناسبة الحديث عن التحديات والمحن والمصاعب والصمود والتحدي، يقفز إلى ذهننا سؤالاً يطرحه البعض مؤخراً وبشكل متكرر، خصوصاً بعد تراكم المحن وتعاظم المصاعب فوق رأس الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة في أرض فلسطين المحتلة سواء في غزة المنكوبة أو الضفة المستباحة، وما يتعرض له من محاولات يومية لدفن وطمس كل ما يتعلق بحقوقه في أرضه وحياته بعزة وكرامة، ومحاولة انهاء أي وجود لبلد اسمه فلسطين أو شعبه أو تاريخه والعمل على محو قضية فلسطين من ذاكرة الدنيا بأسرها، ترى هل انتهت بالفعل قضية فلسطين كما يروج لذلك الاحتلال ليل نهار؟
وتبقى الاجابة هنا مرهونة بيد الشعب الفلسطيني وليس غيره، ذلك الشعب الذي لا يعرف الاستسلام للمحن ويقف في وجهها منذ احتلال أرضه في العام 1948م وصولاً إلى المحن المركبة التي تعاظمت في السنوات الأخيرة عليه، ولذلك كان وسيبقى قدر قضية فلسطين أن تبقى حية في قلوب أبناء شعبها الأحرار جيلاً بعد جيل بإذن الله، فتذهب قيادات وتغيب جماعات، ترحل أسماء وتدفن مسميات، وتغيب وجوه وتمحى عائلات، ولكن تبقى فلسطين تنبض بالحياة في قلوب كل الأحرار الأوفياء من أبناء شعبها، وفي قلب كل محب للإنصاف والعدل والحرية في هذا العالم.
كتب الله الفرج القريب لأهل فلسطين، وملأ قلوبهم وعيونهم بالفرح والسعادة بقدر ما امتلأت بالحزن والألم على امتداد السنوات الماضية سواء في غزة العزة والكرامة، أو ضفة التحدي والصمود، أو كل بقعة في أرض فلسطين المحتلة أرض الأبطال والشهداء والإباء والوفاء.

