صراحة نيوز – كتب: موسى العدوان
بتاريخ 30 ديسمبر 2024 كتبت مقالا تحت هذا العنوان، نُشر على صفحات موقع راي اليوم الإخباري، وعلى مواقع أردنية إخبارية محلية، أنبه به لخطورة ممارسات العدو الإسرائيلي في الضفة الغربية.
وها أنا ايوم أعيد التحذير مجددا، لأنني لم المس تفاعلا حقيقيا مع ما كتبت، سواءً من قبل المعنيين في الدولة الأردنية، أو في السلطة الفلسطينية، فيما يتعلق بالاستعداد لمواجهة الخطر القادم. اللهم سوى تدريب عسكري أولي لمجموعات من الشباب الأردنيين في خدمة العلم، لمدة ثلاثة أشهر غير كافية لتأهيلهم في العمل العسكري الميداني.
ونظرا لتزايد خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي ستنعكس لاحقا على الأردن، شعرت بضرورة التأكيد على هذا الخطر القادم حتما في المستقبل القريب، لعل المعنيون يصحون من غفلتهم، ويتخذون الإجراءات الاحترازية قبل فوات الأوان.
لا يكفي أن نعلن في وسائل الإعلام وفي الخطابات الكلامية، أننا سنعلن الحرب على العدو إذا قام بتهجير السكان الفلسطينيين إلى الأردن، دون استعداد حقيقي على الأرض، يلمسه ويقتنع به المواطنون الأردنيون. فها نحن نشاهد مقدمات هذا الفعل ماثلة أمام عيوننا، والتي يمكن الإشارة إليها بالآتي :
1. هدم منازل الفلسطينيين تحت ذرائع مختلفة وتركهم بلا مأوى.
2. إقامة الحواجز بين القرى والمدن الفلسطينية لقطع التواصل بينها.
3. تنفيذ عمليات أمنية ضد العديد من القرى والمدن، ومحاصرة السكان بداخلها.
4. إحاطة التجمعات الفلسطينية بالطرق والمستوطنات، والعمل على حصارها عند الضرورة.
5. تصاعد عنف المستوطنين ومهاجمة سكان القرى والمدن الفلسطينية تحت حماية أم
6. الاقتحامات المتكررة بأعداد كبيرة، لباحات المسجد الأقصى بين حين وآخر، تمهيدا لهدمه وبناء الهيكل مكانه.
7. السيطرة على المواقع الاستراتيجية وتحويلها إلى مستوطنات، تشكل قلاعا عسكرية يصعب اقتحامها.
8. البناء المتلاحق لعشرات المستوطنات سنويا، للسيطرة على الأراضي الفلسطينية بشكل كامل.
9. نقل الصلاحيات المتعلقة بالأراضي المحتلة، من المؤسسة العسكرية إلى المؤسسة المدنية، تمهيدا لضمها في وقت لاحق.
هذه الإجراءات الإسرائيلية، ستؤدي بالتأكيد إلى تفكيك جغرافية الأرض والتضييق على معيشة المواطنين ودفعهم للهجرة، و تفريغ الضفة الغربية من سكانها، وخلق صعوبات سياسية في فكرة تشكيل دولة فلسطينية متصلة ( إذا تم التوافق عليها مستقبلا ).
ومن أخطر المشاريع التي تسعى دولة الاحتلال لإقامته حاليا، هو المشروع الاستيطاني ( East 1)، الذي يقع على الأرض الاستراتيجية، شرقي مدينة القدس بجوار مستوطنة ( معاليه أدوميم )، إذ تبلغ مساحته 12 ألف دونم، ليفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها.
هذا بالإضافة لإقرار عشرات البؤر الاستيطانية في السنوات الأخيرة، لتفتيت الأراضي الفلسطينية، وتقطيع التواصل الجغرافي بين القرى والمدن وتغيير الطبيعة الإدارية والقانونية من المؤسسة العسكرية، إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية.
من الواضح أن هذه الممارسات الإسرائيلية، تهدف إلى الضم التدريجي لأراضي الضفة الغربية، وإضافتها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما وعد الرئيس الأمريكي ترمب، في إحدى خطاباته الانتخابية. وستؤدي لاحقا لتهجير السكان الفلسطينيين إلى الأردن أمام صمت عربي مطبق، ورفض من قبل الدول الأوروبية لهذه الإجراءات الإسرائيلية. وهذا الحال يذكرني بما حدث في أوروبا في اوائل الحرب العالمية الثانية، وهو بإيجاز كالتالي :
* * *
فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، كانت هناك بوادر تحول في الرأي العام نحو السلام عام 1938. وفجأة قرر” تشمبرلين ” رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، أن يشترك في مؤتمر رباعي يُعقد في ميونخ مع.” هتلر” مستشار الرايخ الألماني، ومع ” دالادييه “، رئيس الوزراء الفرنسي، ومع ” موسوليني “، الدوتشي الإيطالي، بغرض تحقيق السلام.
لكن الذي حدث فعلا، أن تشمبرلين خلط بين السلام والاستسلام. ففي ميونخ استجاب لكامل طلبات هتلر، على وعد منه، بأن مطالبه في تشكوسلوفاكيا هي آخر مطالبه الإقليمية في أوروبا. وعاد تشمبرلين إلى بريطانيا يقول : ” إن السلام تحقق في زماننا “. كان يوم عودة تشمبرلين إلى لندن من ميونخ، يوما لم تشهد له بريطانيا مثيلا في تاريخها الحديث، إذ كان لكلمة ” السلام ” مفعول السحر لدى الشعب.
خرجتْ جموع الشعب البريطاني، تقابل العائد من ميونخ بغصن الزيتون كأنه بطل اسطوري، استطاع أن يستوعب أحلام الإنسانية كلها في كيانه النحيل. رجال بريطانيا – شيوخا وشبابا – يهتفون باسمه : لن يعودوا بعد الآن إلى ” حرب الخنادق ” في القارة الأوروبية، ولن يكون منهم مشوهين وعجزة وبقايا حطام إنساني. نساء بريطانيا – العجائز والشابات – يصلين من أجله، ويذرفن الدموع تأثرا لإخلاص رجل، استطاع أن يقيهن غوائل الترمل، وبلاء تحملهن مسؤولية أولادهن الأيتام.
وفي وسط هذه العاصفة ” السلامية الجارفة “، لم ييأس ونستون تشرشل الذي يقود حزب المعارضة، فوقف يخطب قائلا : ” حذارِ أن تنام بريطانيا والخطر مستيقظ “. فانضم كوكبة من المفكرين والساسة والخبراء، الذين وجدوا في أصداء صوته، نبرة تنسجم مع ما يرونه بعيونهم، على أرض القارة الأوروبية. وفي 3 سبتمبر ( أيلول ) 1939 اضطر تشمبرلين تحت ضغط سياسي شعبي، أن يعلن الحرب على ألمانيا ويشارك في الحرب العالمية الثانية.
ما جرى في بريطانيا في ذلك الحين . . يذكّرنا بما نحن فيه اليوم من انتظار لقدوم الخطر، يجعلنا نفكّر جديا في المستقبل. فالعدو الإسرائيلي، الذي دمّر مدينة غزة وحولها إلى مدينة أشباح غير صالحة للسكن، وقتل عشرات الآلاف من المقاومين والسكان الأبرياء، وأصاب أكثر من مئة وسبعين ألف شخص بجراح وإعاقات دائمة، واغتال الكثير من قيادييّ المقاومة.
ثم انتقل إلى جنوب لبنان، وكرر هناك ما فعله في غزة من قتل وتدمير واحتلال للأراضي، يمارس اليوم تمزيق الأراضي الفلسطينية، والسعي لتهجير سكانها إلى الأردن وخلق الوطن البديل الذي يسعى جاهدا إليه.
وإزاء هذا الوضع الخطير الذي يهدد بتهجير الفلسطينيين إلى الأردن، علينا أن نتساءل اليوم : ماذا أعددنا لمواجهة ذلك الخطر القادم، عدا عن التصريحات الإعلامية، وتدريب أعداد من الشباب الأردنيين في خدمة العلم لأشهر ثلاث لا تؤهلهم للعمل كمقاتلين في الميدان.
فالاعتماد على الحلفاء لا يمكن الركون إليه في الوقوف بجانبنا عند الحاجة. كما أن الدول العربية، عاجزة عن تقديم المساعدة في أي عمل عسكري لمواجهة الخطر، اعتمادا على سياسة : ” كلٌ يقلع شوكه بيديه “.
وهذه الحالة الحرجة التي تنتظرنا أو ننتظرها، تفرض علينا أن نعتمد على أنفسنا، ونشد الأحزمة ونرصّ الصفوف، وأن نضع الخطط الاحترازية لمواجهة الخطر القادم، وأن نلغي من قاموسنا التراخي، والزيارات البروتوكولية، وإجازات الترويح عن النفس. فالوقت ليس وقت الرفاه والاسترخاء، والموقف يفرض علينا عملا جادا وسريعاّ لمواجهة الخطر، حفاظا على سلامة الوطن ومواطنيه.
وعلى الرجل الأول في القوات المسلحة، أن يطلع كبار القادة العسكريين السابقين، على خطط الاستعداد لمواجهة الخطر عند وقوعه، ويكونوا رديفا حقيقيا للقادة العاملين عند الحاجة، للحفاظ على سلامة الوطن. وعلينا أن نأخذ العبرة من الإسرائيليين، حيث كان كبار قادتهم السابقين ينضمون للقادة العاملين، ويقدمون لهم المشورة حفاظا على الوطن.
في الختام. . لا يسعني إلاّ أن أستعير تحذير تشرشل البليغ وأقول :
” حذارِ مجددا . . أن ينامَ الأردنُّ والخطرُ مستيقظٌ . . يهدد وجودنا ومصيرنا في المستقبل القريب “.
واللهم اشهد أني بلّغت . . !
التاريخ :31 / 8 / 2026

