صراحة نيوز – خاص – عبيدات: أزمة التعليم أعمق من المناهج.. ونحتاج فلسفة تعليمية جديدة
أكد الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات أن التعليم يعجز بطبيعته عن مواكبة سوق العمل بصورة كاملة، باعتبار أن التعليم يتطور ببطء، في حين يتغير سوق العمل بوتيرة متسارعة.
وقال عبيدات في تصريح خاص لـ”صراحة نيوز” إن التعليم لا يستطيع مواكبة سوق العمل لأسباب عديدة، موضحا أن دوره الأساسي يتمثل في تزويد الطلبة بالمهارات الأساسية، بينما يحتاج سوق العمل إلى مهارات متخصصة ومتغيرة باستمرار.
وأضاف أن الحل لا يكمن بالضرورة في مواءمة التعليم مع سوق العمل بشكل مباشر، وإنما في أن يركز التعليم على المهارات الأساسية للحياة وفي مقدمتها مهارات العمل والتواصل مع الآخرين.
وأوضح أن المقصود بمهارات العمل هو تعليم الطالب كيفية إنتاج عمله الخاص، وبناء مستقبله، والتفكير بصورة سليمة، وقراءة السوق، ودراسة جدوى أي مشروع قبل الإقدام عليه، إلى جانب اكتساب مهارات الإدارة والتخطيط.
وتابع: “بدل أن يدرس الطالب معارف لا قيمة لها، يجب أن يتعلم المهارات الحقيقية والمفيدة، مثل مهارات العمل والإدارة والتفكير”.
وأشار إلى أن التركيز على تدريب الطلبة على تفاصيل مهنة محددة قد لا يكون كافيا، نظرا للتغير السريع في طبيعة المهن والتكنولوجيا، موضحا أن الطالب الذي يتعلم مهارة فنية محددة قد يجد نفسه بعد سنوات أمام تقنيات جديدة ومتطلبات مختلفة في سوق العمل.
وقال إن المطلوب هو تعليم الطلبة “مهارات العمل”، وليس حصر التعليم في تفاصيل عمل معين، حتى يكون الطالب قادرا على التكيف مع التحولات المستمرة في سوق العمل.
أزمة التعليم أعمق من أزمة المناهج
ورأى عبيدات أن أزمة التعليم في الأردن أصبحت أعمق من مجرد أزمة مناهج أو امتحانات، مؤكدا أن المناهج والامتحانات ليست سوى جزء من أزمة أكبر تتمثل في غياب الرؤية والفلسفة التعليمية الواضحة.
وقال: “إذا ضبطنا التعليم، بالتأكيد ستكون المناهج جيدة والامتحانات جيدة”، مشيرا إلى أن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم وجود فلسفة واضحة للتعليم، وعدم تحديد النموذج الذي تريد الدولة إعداده من الطلبة.
وأضاف أن النظام التعليمي يقوم في كثير من الأحيان على اختيار مجموعة من المواد الدراسية وتقديمها للطلبة بطريقة قاسية، ثم إخضاعهم للامتحان فيها، معتبرا أن هذا الأسلوب يمثل إساءة لمفهوم التعليم ولا يقود إلى تعليم حقيقي.
وأكد أن أزمة التعليم هي في جوهرها “أزمة رؤية تعليمية”، موضحا أن المطلوب تحديد نقطة البداية والوجهة التي يريد النظام التعليمي الوصول إليها، وما المهارات والقدرات التي ينبغي أن يمتلكها الطالب عند تخرجه.
قيادات تعليمية بلا رؤية
وانتقد عبيدات آليات اختيار القيادات التعليمية، معتبرا أن القيادات التعليمية لا يتم اختيارها دائما على أسس سليمة، رغم وجود أعداد كبيرة من حملة الشهادات العليا في وزارة التربية والتعليم.
وقال إن الوزارة تضم أكثر من ألف من حملة الدكتوراه، وربما يصل العدد إلى نحو ألفين، فيما يقدر عدد حملة الماجستير بعشرات الآلاف، متسائلا عن مدى انعكاس هذه المؤهلات الأكاديمية على تطوير العملية التعليمية.
وأضاف: “ما فيه واحد من المسؤولين قادر على أنه يكتب لك خطة أو يكتب مشروع أو يكتب لك فكرة لتطوير العمل”، معتبرا أن هذه المشكلة تمثل واحدة من أزمات التعليم الحقيقية، والتي لا تتعلق فقط بعدد الشهادات العلمية وإنما بامتلاك الرؤية والقدرة على تحويل الأفكار إلى خطط ومشاريع قابلة للتنفيذ.
هيبة المعلم والمهارات المفقودة
وحول تراجع هيبة المعلم وضعف مستوى الطلبة وغياب المهارات، أشار إلى أن هذه الظواهر مرتبطة بمجموعة من العوامل المتداخلة، ولا يمكن معالجتها بمعزل عن إصلاح منظومة التعليم ككل.
وأكد أن الإنقاذ الحقيقي للتعليم يحتاج إلى تغيير جذري يبدأ أولا بوضع فلسفة جديدة للتعليم، وثانيا بإعطاء أصحاب الرؤى والأفكار التربوية الفرصة ليكون لهم دور حقيقي في إدارة العملية التعليمية.
وقال إن تطوير التعليم لا يمكن أن يتحقق من خلال تعديل المناهج أو تغيير الامتحانات فقط، بل يحتاج إلى إعادة النظر في فلسفة التعليم وأهدافه وطرق إدارته، بما يضمن إعداد طالب يمتلك مهارات التفكير والعمل والتواصل والقدرة على التكيف مع المتغيرات.

