صراحة نيوز – خليل قطيشات
من قال إن هيبة الحكومة تُبنى على منصة احتفال، أو تُقاس بعدد المناسبات التي يتصدر فيها الوزير المشهد؟ ومن أقنع بعض المسؤولين بأن الحضور في حفلات التكريم والمناسبات العشائرية جزء من صميم العمل الوزاري، بينما تنتظر على مكاتبهم ملفات وطنية أثقل من أن تُدار بالمجاملات؟
هنا لا يتعلق الأمر بحفل عابر، ولا بصورة تذكارية، ولا حتى بمجاملة اجتماعية يمكن تجاوزها، وإنما يتعلق بسؤال أعمق بكثير: متى يصبح حضور المسؤول الرسمي رسالة سياسية وإدارية تتجاوز المناسبة نفسها؟ وماذا يفهم المواطن عندما يرى مسؤولًا في موقع وزاري يخصص من وقته وجهده لرعاية مناسبات ذات طابع عشائري أو فئوي، بينما يفترض أن يكون موقعه فوق الاصطفافات، وأن تكون بوصلته الوحيدة هي المصلحة العامة؟
فالوزير ليس وجيهًا اجتماعيًا، ولا سفيرًا لمجاملة هنا أو مناسبة هناك، بل هو رأس مؤسسة ومسؤول عن قطاع يمس حياة آلاف المواطنين، وربما ملايينهم. وكل دقيقة من وقته العام هي جزء من المال العام، وكل ظهور رسمي له ينبغي أن يحمل معنى يتجاوز المجاملة، ويعكس صورة الدولة ومؤسساتها ومبدأ المساواة بين المواطنين.
المشكلة لا تكمن في أن يشارك الوزير المجتمع أفراحه، فهذا أمر محمود حين يكون في إطاره الطبيعي، وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول المشاركة إلى ظاهرة، وعندما يصبح الحضور الرسمي في المناسبات الفئوية أكثر وضوحًا من الحضور في الميدان، وعندما تبدو الحكومة وكأنها تقترب من فئة لأنها تملك قدرة أكبر على الوصول إلى المسؤول، أو لأنها تنتمي إلى إطار اجتماعي محدد.
في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: لماذا حضر الوزير؟ بل يصبح السؤال الأخطر: ما الرسالة التي تركها حضوره؟
فالحكومة التي تريد ترسيخ المواطنة لا يجوز أن تسمح بأن تُفهم رموزها باعتبارها امتدادًا للعلاقات العشائرية أو الجهوية. والوزير الذي يمثل الحكومة يجب أن يدرك أن موقعه لا يسمح له بأن يكون وزيرًا لفئة دون أخرى، ولا أن يجعل حضوره الرسمي يبدو وكأنه شهادة تقدير اجتماعية لهذا الطرف أو ذاك.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسة العامة ليس أن تخطئ في مناسبة، وإنما أن تفقد تدريجيًا قدرتها على التمييز بين ما يليق بالحكومة وما يليق بالمجالس الاجتماعية.
الحكومة لا تحتاج إلى مسؤولين يكثرون الظهور بقدر حاجتها إلى مسؤولين يكثرون الإنجاز. ولا تحتاج إلى وزراء يتنقلون بين منصات التكريم بقدر حاجتها إلى وزراء يتنقلون بين مواقع العمل، ويتابعون المشاريع، ويحاسبون المقصر، ويستمعون للمواطن، ويواجهون الأزمات قبل أن تتحول إلى أزمات وطنية.
إن هيبة الحكومة لا تُصنع بالصور، وإنما بالقرارات. ولا تُحمى بالمجاملات، وإنما بالعدل. ولا تترسخ بكثرة الحضور في المناسبات، وإنما بوجود مؤسسات قوية يشعر المواطن أمامها أن القانون فوق الجميع، وأن الكفاءة مقدمة على العلاقات، وأن الحكومة تقف على المسافة نفسها من كل أبنائها.
ومن هنا، فإن إعادة النظر في مفهوم الرعاية الرسمية للمناسبات ليست ترفًا إداريًا، ولا محاولة للحد من التواصل المجتمعي، بل هي ضرورة لحماية صورة الحكومة من أي التباس، ولإعادة الاعتبار إلى المعنى الحقيقي للمنصب الوزاري.
فالوزير الذي يحمل مسؤولية لا ينبغي أن يسأل أولًا: أين سأظهر؟ بل: أين يجب أن أكون؟
وهذا هو الفارق بين مسؤول يبحث عن الحضور، ورجل ووزير يعرف قيمة المنصب الذي يحمله.

