الأردن في دوامة الإحباط: كيف يُزهر الفساد واللامبالاة على حساب المشاركة السياسية؟

7 د للقراءة
7 د للقراءة
الأردن في دوامة الإحباط: كيف يُزهر الفساد واللامبالاة على حساب المشاركة السياسية؟

صراحة نيوز- د.عبد الفتاح طوقان

تُعاني المجتمعات الأردنية في السنوات الأخيرة من حالة متزايدة من الإحباط والقلق تجاه الوطن، مما يؤدي إلى عزوف سياسي ملحوظ عن المشاركة الوطنية. تتداخل عدة عوامل في تشكيل هذا الإحباط، بما في ذلك ضعف الأداء الحكومي، الفساد المستشري، وغياب الثقة في النظام السياسي.

وهنا نعود الي تعريف النظام السياسي بأنه مجموعة من المؤسسات التي تشمل المجلس التشريعي، الذي يضع القوانين، والسلطة التنفيذية، التي تنفذ هذه القوانين، والسلطة القضائية، التي تفسر القوانين وتطبقها. هذه الهيئات تعمل بشكل متكامل لضمان إدارة الدولة وتنظيم شؤون المجتمع. ومع ذلك، فإن فعالية هذا النظام تتوقف على مدى نزاهته واستجابة القائمين عليه لمصالح المواطنين.

وللأسف فقدان الثقة والهزيمة النفسية هو الغالب في قلب هذه الأزمة، حيث نجد فقدان الثقة في النظام السياسي تتكاثر وتنمو يوما بعد يوم . ان تكرار الوعود الانتخابية دون تحقيق نتائج ملموسة يولد شعوراً بالخداع لدى المواطنين. قضايا الفساد التي تتفشى في جميع مؤسسات الدولة والتى بدات تظهر ويكتب عنها ، بينما فاسدون كبار خارج البلاد لم تتم ملاحقتهم و هناك اخرون شركاء لبعض رجال أعمال ومتنفذين يمنع الاقتراب منهم ، تجعل من الصعب على المواطنين أن يروا المسؤولين كخُدام للشعب، بل كمستفيدين من سلطاتهم. هذا الوضع يعزز من حالة الإحباط ويُقلل من الأمل في التغيير.

وبات الشعور بعدم الفعالية السياسية هو الأرجح حيث يعيش المواطنون حالة من فقدان الأمل في إمكانية إحداث تغيير حقيقي، حيث يعتقد الكثيرون أن أصواتهم الانتخابية لن تُحدث فرقاً وان الحكومات مسرحيات هزليه لا داع لها . ويسيطر الاعتقاد بأن “اللعبة السياسية” تُدار خلف الكواليس من قبل قوى نفوذ أو شركات كبرى. هذا الشعور يعزز من الإحباط ويجعل الناس يتجنبون الانخراط في عمليات صنع القرار، مما يؤدي إلى تهميشهم.

وفي تحليل ذلك نجد التوجه يصبح نحو التركيز على الأولويات اليومية لا المصلحة العامة الوطنية ومستقبل الأردن والأجيال القادمة.

وبتوضيح ذلك فانه مع الضغوط الاقتصادية المتزايدة، يصبح تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والسكن أولوية قصوى. وعندها تُعتبر السياسة رفاهية لا يُمكن التفكير فيها، ويُفضل الكثيرون البحث عن حلول فردية لتحسين ظروفهم بدلاً من انتظار الحكومة لتقديم الدعم او ايجاد الحلول . هذه الحالة تُعكس عدم جدية بعض الحكومات في معالجة القضايا الملحة التي تواجه المواطنين وتؤجلها بشكل مباشر للحكومة التى تليها .

ومع الفساد وغياب الولاية نجد إن ضعف الحكومة يشمل جوانب متعددة، منها الترهل الإداري والشللية وعدم التنفيذ مجرد تدوين ملاحظات دفترية !!! . كما وان البعض من الوزراء لا يمتلكون الكفاءة اللازمة أو الخبرة، مما يؤثر سلبًا على جودة القرارات المتخذة. لقد تنازل كثير ممن تسلموا منصب رئيس الحكومة عن صلاحياتهم وارتباطهم كان جليا بقرارات من خارج البلاد، مثل صندوق النقد الدولي، وهذا يُعتبر مؤشرًا على فقدان السيادة، مما يُثير تساؤلات حول قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات تخدم المواطنين.

لقد تكررت صورة رؤساء الحكومات كأدوات بلا كاريزما مما دفع لان يصبح المواطن الأردني يشاهد بعض رؤساء حكومات المملكة كصور تُحركها الدولة العميقة أحيانًا، أو حتى كأشخاص بلا كاريزما أو خلفية تؤهلهم لتولي المنصب او اي منصب آخر حتى لو كان ” مراقب في مشروع هندسي “!!! وبالنسبة لهم، كانت الأردن مجرد “سيارة مرسيدس سوداء” وشلة من الحرس، وجواز سفر أحمر، وتصريحات متلفزه ، وسفريات خارج البلاد وتكديس مباومات ، وراتب ببعض الآلاف من الدنانير. وتنتهي مكافآتهم بعد ذلك في تقاعد مريح، ليجلسوا في مقاعد الاحتياط في مجلس الأعيان، مما يعكس انعدام المسؤولية تجاه القضايا الوطنية.

ولعل اخطر شيء هو هرولة الحكومات المتعاقبة للاستدانة وبجانب كل هذه التحديات، التى لمً نجد ابداع و لا استراتيجية للسداد او لكيفية استخدام المليارات التى وصلت الي عشرة في اخد الحكومات تجد غيرها هرولت على مر السنين للاستدانة، لكنها فشلت في تحقيق أي عوائد استثمارية تُذكر.

لم تنجح في جذب المستثمرين الأجانب، كما هو متوقع او محدد لها ، بل تبارت كل حكومة مع سابقتها في زيادة معدلات البطالة والديون. لا يُحاسب أحد على هذا الفشل، ولا يعرف المواطنون كيف سيتم سداد تلك المديونيات، أو أين ذهبت أموالهم وأموال الخصخصة. إن غياب الشفافية يُعزّز من حالة الإحباط ويزيد من القلق بشأن مستقبل البلاد.

ويضاف الي ذلك الإحباط من الأداء الحزبي والبرلماني حيث احيانا تتحول النقاشات السياسية إلى مشاحنات شخصية، مما يُسهم في نفور الناس من العمل السياسي. وفي غياب المعارضة الفعالة ضعفت قدرة المواطنين على رؤية بدائل حقيقية للتغيير.

النقاشات الطويلة في البرلمان والإعلام تحول بعضها إلى مناكفات وشعبويةً زائفة وصراعات شخصية وحزبية ضيقة بدلاً من مناقشة الحلول الحقيقية، مما يعزز من حالة الإحباط.

لكل مما سبق يتضح أن الأردن يحتاج إلى رئيس حكومة قوي وذو اداء وكفاءة عالية ولديه طاقم سياسي واقتصادي قادر على وضع وتنفيذ استراتيجيات فعالة لتعزيز الثقة والمشاركة السياسية، وتحتاج الحكومة الأردنية القادمة إلى وضع استراتيجيات شاملة تركز على الشفافية، المساءلة، والتواصل الفعال مع المواطنين. ويجب أن تكون هناك خطوات جادة لتعزيز الثقة مع المواطنين، مثل:

اولا : تحقيق الشفافية من خلال نشر المعلومات حول القرارات السياسية والاقتصادية بشكل دوري.

ثانيا :مكافحة الفساد وتطبيق قوانين صارمة لملاحقة المسؤولين الفاسدين داخليا وخارجيا

ثالثا : تعزيز المشاركة الشعبية وتسهيل الإجراءات الانتخابية في محافظات والويه المملكة وتشجيع المواطنين على المشاركة والتصويت واختيار الأفضل وتنظيم حوارات مجتمعية.

واقصد أأنا جميعا نتطلع نحو مستقبل أفضل للأردن الذي نفتخر به و نفتديه ونؤكد ان الوقت قد حان لتحمل الحكومة مسؤولياتها واستعادة ثقة المواطنين. إن الإحباط والقلق السائدين يُعبران عن حاجة ملحة لتغييرات حقيقية في النظام السياسي والإداري ويجب أن تكون هناك رؤية واضحة لمستقبل الأردن، بحيث يُصبح المواطنون جزءًا من هذه الرؤية، وليس مجرد مشاهدين. إذا استمرت الأوضاع كما هي، فإن الدوامة لن تنتهي، وستبقى السياسة مجرد لعبة في يد القلة بينما يُعاني المواطنون في صمت.

لم يعد هناك وقتا للسكوت و لا للسقوط في الدوامه.
aftoukan@yahoo.com

شارك هذا المقال