صراحة نيوز- د. منى النحلاوي
كاتبة وباحثة في القضايا الاجتماعية
من مشروع العدالة الإنسانية والوعي الناقد
الحق على الورق لا يكفي، فبعد عقود من التقدم، بدأ التقدم في الوصول إلى التعليم يتباطأ من جديد.
فإذا كان التعليم حقا لكل طفل، هل يحصل الأطفال فعلا على فرص متساوية في هذا الحق؟
تنص المادة السادسة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل إنسان حقا في التعليم، وأن يكون التعليم متاحا للجميع على أساس تكافؤ الفرص.
لكن بعد عقود من إعلان هذا الحق، يبقى السؤال: هل يكفي أن يكون الطفل داخل المدرسة حتى نقول إن العدالة التعليمية قد تحققت؟
فطفلان قد يجلسان في مقعدين متجاورين، لكنهما لا يبدآن دائمًا من النقطة نفسها. أحدهما قد يجد أمامه مدرسة جيدة، ودروسا إضافية، ولغات، وأجهزة حديثة، وأسرة قادرة على توفير ما يحتاجه. بينما قد يواجه طفل آخر مدرسة محدودة الموارد، أو ظروفا اقتصادية تجعل أبسط احتياجات التعليم عبئًا على أسرته.
وهنا تظهر الطبقية، ليس بوصفها نظرية نحتاج إلى شرحها، وإنما باعتبارها واقعا يمكن أن يؤثر في الفرص التي يحصل عليها الإنسان.
وقد أشار كارل ماركس إلى العلاقة بين الوضع الاقتصادي والموقع الاجتماعي. لكن عالم الاجتماع بيير بورديو ذهب أبعد من ذلك حين تحدث عما أسماه “رأس المال الثقافي”: فالفارق بين الطفلين لا يكمن فقط في المال، بل فيما تراكمه الأسرة من لغة، وعادات قراءة، وثقة بالنفس أمام المعلم والمدرسة؛ وهو رصيد غير مرئي، لكنه قد يُترجم لاحقا إلى درجات وفرص.
فهل يستطيع المال، ومعه هذا “الرصيد” غير المعلن، أن يمنح بعض الأطفال فرصًا تعليمية أوسع من غيرهم؟
الإجابة لا تحتاج إلى الكثير من الفلسفة.
فبحسب أحدث تقرير لليونسكو لرصد التعليم لعام 2026، كان 273 مليون طفل ومراهق وشاب خارج المدرسة في عام 2024، أي نحو واحد من كل ستة في سن الدراسة عالميا. وارتفع هذا العدد للعام السابع على التوالي. وفي المقابل، كان نحو 1.4 مليار طالب ملتحقين بالتعليم الابتدائي والثانوي في عام 2024، بزيادة قدرها 327 مليون طالب، أي 30%، منذ عام 2000.
إذن، هناك تقدم حقيقي وتراكمي في إتاحة التعليم منذ عام 2000، لكن وتيرة التقدم في خفض أعداد غير الملتحقين بالمدرسة تباطأت منذ عام 2015، بل ارتفع عددهم بنحو 3% منذ ذلك العام. وهذا يعني أن التقدم الذي تحقق لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن الفجوات التي ما زالت قائمة.
فالعدالة التعليمية لا تعني فقط أن نفتح باب المدرسة أمام الطفل، بل أن نسأل أيضًا:
ماذا يجد خلف هذا الباب؟
هل يجد تعليمًا جيدًا؟
هل يملك فرصة حقيقية للتعلم؟
وهل تحدد ظروف أسرته الاقتصادية سقف أحلامه قبل أن يبدأ؟
قد يكون التعليم حقا على الورق، لكن العدالة تبدأ عندما لا يكون المال هو العامل الذي يحدد مقدار هذا الحق الذي يستطيع الطفل أن يحصل عليه.
وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل فقط: كم طفلا دخل المدرسة؟
بل علينا أن نسأل سؤالًا أكثر إلحاحًا:
هل أعطينا كل طفل فرصة عادلة لأن يتعلم، أم أننا ما زلنا نمنح حقا واحدًا بأبواب مختلفة؟

