صراحة نيوز – بقلم: الدكتور محمد حسن الطراونة
استشاري أمراض صدرية
ومساعد الأمين العام في حزب نماء
يمرّ القطاع العام الأردني بمرحلة مفصلية فارقة تفرضها مقتضيات رؤية التحديث الاقتصادي وبرامج الإصلاح الإداري، وهي مرحلة تُحتّم إجراء مقاربة دقيقة تنشد ردم الفجوة بين الأطر التشريعية والتنظيمية المتقدمة للحاكمية الرشيدة، وبين الممارسات الإدارية الميدانية في بعض المفاصل القيادية.
إن التزام الدولة بأعلى معايير الحوكمة والشفافية يستوجب مراجعة آليات اختيار وتجديد تكليف القيادات العليا، لتكون مبنية بصورة مطلقة على معايير الكفاءة والاستحقاق والقدرة على تحقيق التخطيط الاستراتيجي. ورغم توافر البيئة التشريعية المنظمة لقياس الأداء، فإن مقتضيات الشفافية تتطلب التأكد الداعم من اعتماد تقارير الأداء كمعيار رئيسي للتجديد، ضماناً لاستقطاب الكفاءات الوطنية المؤهلة وتجنباً لأي تجاوز قد يؤثر على مسار الاصلاح الإداري المستدام.
وحين تشير تقارير الأداء المؤسسي والمؤشرات الرقابية إلى وجود اختلالات أو تراجع في مستويات الإنجاز، فإن الحصافة الإدارية والدبلوماسية المؤسسية تستوجب وضع خطط تصحيحية صارمة؛ إذ إن الاستمرار في النهج السابق دون مراجعة موضوعية من شأنه أن يربك مسيرة التحديث الوطنية، ويقدّم الاعتبارات الفردية على حساب المصلحة العامة.
وفي سياق التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى ربط تقييم المسؤولين بمستوى جودة الخدمات المقدمة ومدى رضا المواطنين، تتأكد أهمية جعل “صوت متلقي الخدمة” الركن الأساسي في معادلة المساءلة. إن التقييم الحقيقي المكتمل الأركان يعتمد على مخرجات منصات الشكاوى الرسمية، والملاحظات الواردة في التقارير الرقابية، إضافة إلى الدور البنّاء لوسائل الإعلام الوطنية كمرآة تعكس الواقع بشفافية، إلى جانب الاستئناس المستمر بنبض الشارع الأردني لضمان النهوض بمستوى الإدارة العامة.
إن المسؤولية القيادية أمانة قانونية وأخلاقية، وقد تجلى ذلك في الرؤية الملكية السامية التي أرست قاعدة ثابته مفادها أن الجميع يخضعون لسيادة القانون، وأن صون الأمانة يتطلب النأي بالقرار الإداري عن المحسوبية أو العلاقات الشخصية. وبناءً عليه، يغدو الإصلاح الإداري الناجح مرهوناً بتبني تقييم المؤسسي يستند إلى الإنتاجية، وتفعيل الدور الرقابي للأجهزة المختصة، واعتماد رضا المتعاملين كمؤشر قياس رئيسي.
ختاماً، إن الوظيفة العامة تكليف ومسؤولية حيوية، وتقتضي الحوكمة الرشيدة أن تكون استمرارية التكليف القيادي مرتبطة بالنزاهة والكفاءة وتقديم المصلحة الوطنية العليا، ليبقى الأردن الأبيّ دائماً في طليعة التطور والمؤسسية الراسخة

