صراحة نيوز- مروان العساف
هناك مفارقة تستحق أن نتوقف عندها طويلا.
منتخب الأردن وصل إلى نهائي كأس آسيا ثم وصل إلى نهائي كأس العرب وخسر النهائيين .. لكنه لم يتوقف عند حدود الخسارة بل واصل طريقه حتى خاض تجربة كأس العالم.
وهنا لا أتحدث عن المنتخب بوصفه مشكلة .. بل عن العكس تماما .
المنتخب أثبت أن الكرة الأردنية قادرة على الوصول لكنه في الوقت نفسه جعل السؤال عن بقية المنظومة أكثر إلحاحا.
فماذا يحدث عندما نعود من المنتخب إلى الدوري؟
تتغير الصورة.
الدوري الأردني ما زال يعاني من حالة من عدم الثبات فريق يتصدر ثم يتراجع فريق يقدم مباراة ممتازة ثم يظهر بصورة مختلفة تماما في المباراة التالية وأحيانًا لا تحتاج إلى انتظار المباراة التالية أصلا لأن مستوى الفريق نفسه يتغير خلال التسعين دقيقة.
وهذا ليس مجرد تذبذب طبيعي في كرة القدم.
التذبذب موجود في كل الدوريات لكن عندما يصبح هو القاعدة يصبح السؤال عن المنظومة التي يفترض أن تصنع الاستقرار.
لدينا أندية تنفق فوق قدرتها لكنها في كثير من الأحيان لا تملك موارد حقيقية تجعلها قادرة على الاستمرار.
والإنفاق وحده لا يصنع ناديا.
إذا كان النادي يعيش كل موسم على سؤال .. كم يوجد في الخزينة؟ ومن سيدفع؟ ومن سنستطيع التعاقد معه؟ فأنت لا تبني مؤسسة رياضية .. أنت تحاول عبور موسم جديد.
كرة القدم لا تدار بمنطق ” دبرها اليوم ” ولكل حادث حديث.
نحتاج إلى رؤية تمتد لسنوات لا إلى حلول تنتهي بانتهاء الموسم.
نحتاج إلى نادي يعرف لماذا تعاقد مع هذا اللاعب ولماذا اختار هذا المدرب وماذا يريد من فريقه بعد عامين أو ثلاثة وليس فقط ماذا يريد منه يوم الجمعة.
والأهم من ذلك كله .. أين الفئات العمرية؟
لماذا لا يكون النادي قادرا على إنتاج لاعب بدل أن يبحث عنه كل موسم؟
اللاعب الأردني الموهوب موجود وهذه ليست المشكلة.
المشكلة تبدأ عندما ينجح اللاعب.
بعد موسم أو موسمين جيدين .. قد يصبح معروفا يظهر في الإعلام يرتفع سعره ويحصل على عقد جيد وهنا يفترض أن تبدأ مرحلة جديدة من التطور.
لكن أحيانا يحدث العكس.
يصل اللاعب إلى مرحلة يشعر فيها أن الأمور أصبحت مضمونة ” راتب .. شهرة .. مكان في التشكيلة واهتمام جماهيري ”
وهنا يبدأ الخطر .. لأن اللاعب الذي يضمن مكانه قد يتوقف عن مطاردة مستواه.
الموهبة تحتاج إلى عمل يحرسها من الغرور .. والشهرة لا تطور اللاعب والظهور التلفزيوني لا يرفع لياقته وعدد المتابعين لا يجعله أفضل في قراءة الملعب.
نريد لاعبا يعتبر كل موسم امتحانا جديدا لا مكافأة على ما فعله في الموسم السابق.
وهذا يقودنا إلى التعاقدات الخارجية.
ليس كل انتقال إلى الخارج تطورا.
أحيانا ينتقل اللاعب من نادي إلى نادي آخر ومن بلد إلى بلد آخر لكنه لا يضيف شيئا إلى مستواه.
المسافة بين الناديين ليست دايما مسافة في المستوى.
نحن بحاجة إلى أن يصبح اللاعب الأردني هدفه التطور قبل أن يكون هدفه مجرد تغيير القميص.
ثم نصل إلى الأندية في مشاركاتها الخارجية.
وهنا تصبح الصورة أكثر إزعاجا.
عندما تخرج الأندية الأردنية إلى البطولات الآسيوية نريد أن نرى فريقا يحمل شخصية دوري كامل لا مجرد فريق يحاول تمثيل نفسه بأفضل ما يستطيع.
الفوز والخسارة واردان لكن المشكلة عندما تشعر أن الفريق لا يملك الأدوات التي تجعله قادرا على المنافسة بصورة مستمرة.
الفيصلي والوحدات والحسين إربد وغيرهم من الأندية الكبيرة لا ينبغي أن يكون حضورهم الخارجي مجرد مشاركة في جدول البطولات.
هذه الأندية تملك تاريخاً وجمهورا واسعا .
لكن التاريخ وحده لا يلعب المباراة.
الاسم يفتح الباب .. أما المشروع فهو الذي يبقيك داخل الملعب.
وهنا يأتي دور الاتحاد الأردني لكرة القدم.
الاتحاد ليس مجرد جهة تنظم المباريات وتصدر القرارات.
إذا أردنا دوري أقوى فعلينا أن نسأل ” ماذا يفعل الاتحاد لكي يجعل الدوري نفسه منتجا يستحق المشاهدة؟
أين التسويق؟
أين صناعة الحماس حول مباريات الدوري؟
لماذا لا تكون هناك مسابقات للجمهور جوائز مبادرات شراكات .. محتوى إعلامي مختلف وحوافز تجعل المشجع يشعر أن وجوده في المدرج جزء من اللعبة وليس مجرد تذكرة اشتراها؟
الجمهور ليس رقما في المدرج الجمهور أحد أصول كرة القدم التي لم نتعلم حتى الآن كيف نستثمرها.
حتى الجائزة لها معنى.
عندما يفوز النادي بالدوري يجب أن يشعر أن الإنجاز له قيمة تليق به وأن مراسم التتويج ليست مجرد صورة وكأس ثم ينتهي كل شيء.
الدوري يحتاج إلى أن يسوق والأندية تحتاج إلى أن تتعلم كيف تبيع اسمها والاتحاد يحتاج إلى أن يساعد في صناعة هذا السوق بدل الاكتفاء بإدارة المسابقة.
وبالمناسبة لا يمكن أن نطالب الجمهور بالحضور ثم نتركه في بعض الأحيان أمام منتج رياضي بلا تقديم ولا قصة ولا حافز.
إذا أردت جمهورا في المدرج أعطه شيئا ينتظره لا مجرد مباراة في جدول.
لكن هناك مشكلة أخرى ربما تكون أكثر إزعاجا من كل ما سبق.
نحن لا نختلف في كرة القدم فقط نحن أحيانا نختلف بطريقة تفسد كرة القدم نفسها.
شجع فريقك كما تريد.
افرح بفوزه.
تعصب له.
انتقده.
لكن لماذا يتحول حب النادي إلى إساءة للنادي الآخر وجمهوره ولاعبيه؟
ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي تجاوز في أحيان كثيرة حدود المنافسة الرياضية وتحول إلى تراشق وإهانات ودخول في الأعراض وكأن خسارة مباراة تمنح صاحبها رخصة لإلغاء أخلاقه.
والأغرب أن بعض من يقدم نفسه إعلاميا أصبح يبحث عن أكثر جملة قابلة للاشتعال بدل أكثر سؤال قادر على فتح نقاش.
نحن بحاجة إلى إعلام يرفع مستوى الجمهور لا إلى محتوى يكتشف كل أسبوع طريقة جديدة لتخفيضه.
والجمهور نفسه يتحمل جزءا من المسؤولية.
لا تجعل من رئيس نادي تحبه بطلا لمجرد أنه منحك ما تريد ولا تجعل من لاعب تحبه فوق النقد لمجرد أنه سجل هدفا .
المسؤول يحاسب على عمله واللاعب يقيم على مستواه والإدارة تقاس بما تبنيه لا بما تقوله.
التصفيق لا يصنع إدارة ناجحة .. كما أن الشتائم لا تصنع إدارة فاشلة ” العمل هو المقياس ”
لهذا أعتقد أن الكرة الأردنية تحتاج إلى إصلاح لا يشبه تبديل قطعة بأخرى.
نحتاج إلى أشخاص يفهمون كرة القدم فنيا ويفهمون الإدارة رياضيا ويعرفون التسويق والاستثمار ويؤمنون بالفئات العمرية ويملكون القدرة على التخطيط لسنوات لا لأسابيع.
ونحتاج قبل ذلك كله إلى أن نتعلم من تجاربنا.
المنتخب خاض تجربة كأس العالم.
هذه التجربة يجب ألا تنتهي بانتهاء البطولة.
يجب أن تصبح معرفة تتسرب إلى الأندية وإلى المدربين وإلى اللاعبين وإلى الفئات العمرية.
كأس العالم ليست صورة نحتفظ بها في الذاكرة ونعود بعدها إلى نقطة الصفر.
هي تجربة يجب أن نسأل بعدها .. ماذا تعلمنا؟
والسؤال نفسه ينطبق على تجارب الدوريات العربية والآسيوية التي رأينا فيها أندية ومسابقات تتغير وتتطور.
لسنا مطالبين بأن نقلد أحدا.
لكننا مطالبون بأن نتوقف عن التصرف وكأن العالم كله يتغير إلا نحن.
ومع ذلك لا أكتب هذا المقال لأقول إن الكرة الأردنية انتهت.
على العكس تماما.
أنا أكتب لأنني أرى أن لدينا ما يستحق أن يبنى عليه.
لدينا لاعبون موهوبين ولدينا أندية لها تاريخ ولدينا جمهور يستطيع أن يصنع الفارق ولدينا منتخب أثبت أن الوصول إلى أعلى مستوى ممكن ليس حلما مستحيلا .
لكن الموهبة وحدها لا تكفي.
والتاريخ وحده لا يكفي.
والجمهور وحده لا يكفي.
نحتاج إلى أن تتحول هذه العناصر من جزر منفصلة إلى منظومة واحدة.
نريد أن نشاهد فريقا يخسر لكننا نفهم لماذا خسر.
نريد أن نشاهد لاعبا يتراجع ثم نراه يعود أفضل.
نريد ناديا يتعثر لكننا نعرف أن لديه مشروعا سيعيده.
ونريد اتحاداً لا يسأل فقط .. كيف انتهى الموسم؟
بل يسأل:
ماذا تغير في الكرة الأردنية بسبب هذا الموسم؟
لأن مشكلتنا ليست أننا لا نملك كرة قدم.
مشكلتنا أننا حتى الآن لم نقرر بشكل جاد ماذا نريد أن نصنع بها.
والمنتخب سبقنا بخطوتين.
آن الأوان أن تتحرك المنظومة كلها .. حتى لا يبقى المنتخب يثبت لنا كل مرة أن ما نعتقد أنه مستحيل كان ممكنًا أصلًا

