صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي
حين أكتب عن محمد كمال، «أبي فاروق»، أستعيد رجلًا له في حياتي فضل كبير، ومرحلةً من الإعلام الأردني كان فيها بناء الإنسان أساس بناء المؤسسة، وكانت ثقة المسؤول بالموهبة قادرة على تغيير مسار حياة كاملة.
كنت واحدًا ممن اقتنع بهم، وتبنّاهم مهنيًا، وشجّعهم على التقدم. وهو الذي أرسلني إلى سلطنة عُمان، وفتح أمامي بابًا مهمًا في مسيرتي الإعلامية. وهذه شهادة وفاء أعتز بها؛ فقد كنت واحدًا من كثيرين رأى فيهم استعدادًا يستحق الرعاية، ومنحهم الثقة والفرصة ليختبروا قدراتهم ويشقّوا طريقهم.
ولعل هذه كانت واحدة من أهم خصاله: القدرة على رؤية ما يمكن أن يصبح عليه الإنسان، والاستعداد لمساعدته على الوصول إليه.
من عنبتا، قضاء طولكرم، بدأت رحلة محمد كمال. حمل جذوره الفلسطينية، وتدرّج في التعليم والعمل، وعبر محطات فلسطين وبيروت، قبل أن يجد في عمّان ميدان مشروعه الأكبر: تأسيس التلفزيون الأردني وقيادة سنوات بنائه الأولى.
كانت تلك رحلة رجل اتسعت تجربته باتساع الأمكنة التي عرفها. وفي الأردن، التقت خبرته بمشروع دولة أرادت أن تبني نافذتها إلى مواطنيها والعالم، في زمن كان فيه التلفزيون يتحول إلى قوة ثقافية واجتماعية وإعلامية جديدة.
وجاء تكليفه بمهمة التأسيس، بإسناد من وصفي التل، ليضعه أمام مسؤولية تتجاوز تجهيز الاستديوهات وتركيب أجهزة البث. كان عليه أن يسهم في بناء فريق، وتأسيس تقاليد عمل، وصناعة شخصية لشاشة أردنية تخاطب الناس وتكسب ثقتهم.
ومع انطلاق البث الرسمي في السابع والعشرين من نيسان عام 1968، بدأت حكاية مؤسسة دخلت البيوت، وصارت جزءًا من تفاصيل الحياة الأردنية. وكان أبو فاروق في قلب تلك التجربة، يمنحها من خبرته، ويبحث بين العاملين فيها عمّن يستطيع حمل مسؤوليتها وتطويرها.
لقد فهم أن الأجهزة، مهما بلغت جودتها، تحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يحوّلون إمكاناتها إلى عمل يستحق المشاهدة. فالمذيع والمخرج والمصور والفني والمحرر هم الذين يصنعون قيمة الشاشة، ومن دون تأهيلهم وتشجيعهم تبقى المعدات أكبر من القدرة على استخدامها.
ومن هنا أخذ التلفزيون الأردني ملامح المدرسة. تعلّم فيه كثيرون، واكتسبوا خبرتهم، ثم حملوا تلك الخبرة إلى مؤسسات عربية، فصار حضور الأردن الإعلامي ممتدًا بامتداد أبنائه وكفاءاته.
وأنا أعرف شيئًا من معنى ذلك، لأنني عشت أثره في مسيرتي. حين يشجّعك مسؤول بحجم محمد كمال، ويمنحك فرصة للعمل خارج بلدك، فإنه يضع بين يديك مسؤولية مضاعفة: أن تكون أهلًا لثقته، وأن تحمل صورة طيبة عن المؤسسة التي جئت منها.
لكن أبا فاروق الذي أتذكره لم تكن شخصيته تختصر في الإدارة والقرارات. كانت فيه روح فكاهة محببة، وحضور للنكتة والدعابة. وهذا الجانب الإنساني جزء أصيل من صورته عند من عرفوه؛ نتذكر فضله وجديته، ونتذكر أيضًا تلك الروح التي تمنح الذكريات دفئها وتبقي صاحبها قريبًا.
لا تستطيع السيرة الوظيفية وحدها أن تنقل هذه التفاصيل. تستطيع أن تسجل تاريخ التعيين والمنصب، لكنها تعجز عن قياس أثر التشجيع في نفس شاب، أو معنى أن يجد الإنسان من يقتنع به ويفتح أمامه بابًا.
وامتد دور محمد كمال، كما عرفناه في تجربتنا المهنية، إلى دعم بناء التلفزيونات وتطويرها في الخليج، في قطر والإمارات وسلطنة عُمان. وكانت الكفاءات والخبرات التي ساعد على إعدادها وإتاحة الفرص أمامها جزءًا من ذلك الدور.
كان يدرك أن نجاح المدرسة الأردنية يظهر أيضًا في قدرة خريجيها على الإسهام خارجها. وهكذا تحولت الخبرة إلى صلة تعاون عربي، وإلى حضور للأردن في مؤسسات وشاشات وتجارب جديدة.
بهذا المعنى، كان رجلًا سبق عصره؛ استثمر في الإنسان، وفهم أن أثر المؤسسة يتسع حين تمنح أبناءها المعرفة والثقة ومساحة الانطلاق.
وبحسب ما أستذكر من مسيرته، كان آخر منصب رسمي تولّاه سفيرًا للمملكة الأردنية الهاشمية لدى الولايات المتحدة في واشنطن، وقد عُيّن في عهد حكومة أحمد عبيدات. محطة توّجت رحلة جمع فيها بين الإعلام والعمل العام والدبلوماسية.
ويبقى الوفاء لأبي فاروق في حفظ اسمه وتجربته، وفي استعادة طريقته في اكتشاف الكفاءة ورعايتها. فالمؤسسات تحتاج دائمًا إلى من يرى في نجاح العاملين فيها امتدادًا لنجاحها، ويترك وراءه أشخاصًا قادرين على مواصلة البناء.
رحم الله محمد كمال؛ ابن عنبتا الذي أسهم في بناء شاشة الأردن، وامتد أثره إلى الإعلام العربي.
أما أنا، فأقول بامتنان لا تغيّره السنوات: كان لأبي فاروق فضل كبير عليّ. آمن بي، وشجّعني، وفتح لي الطريق. وبعض الرجال يبقون في حياتنا، لأن شيئًا مما أصبحنا عليه بدأ بثقتهم بنا.

