صراحة نيوز – عوض ضيف الله الملاحمة
كُتِب على الأردن ان يعيش في حالة تتراوح بين التوتر والغليان . لم نذُق طعم الراحة منذ عقود . مع أننا نتمتع والحمد لله بإستقرار نادر ، وغير مألوف في منطقتنا عامة ، ومعظم أقطارنا العربية خاصة .
أحزن كثيراً عندما تبدأ إرهاصات الخطر تُطِل برأسها مهددة اي قُطر عربي . لأنني أتمنى الخير والإستقرار لكافة الأقطار العربية . وتحديداً لم تهدأ معظم الأقطار العربية منذ بدأت الفوضى الخلاقة التي أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس . ( فتهاوت ) بعض الأقطار العربية ، ( وترنحت ) غالبيتها . ومنذ ذلك الوقت في عام ٢٠١١ ، ( ماشفنا ) خير بالمرة . صحيح ان فلسطين كانت وما زالت محتلة ، وصحيح ان العراق أصابه ما أصابه بفعل أمريكا ، والكيان الصهيوني ، وإيران ، وبعض الأقطار العربية التي إنطلقت منها القوات الأمريكية .
والآن الخطر الداهم يلتف ليهدد السعودية الشقيقة . صحيح ان السعودية أخطأت خطأً فادحاً ، وجسيماً ، ولم تلتفت الى صوت العقل . حين تنادى الآلاف من أصحاب الرأي العرب ، وإقترحوا عدم تشكيل قوة التحالف للبدء بعمليات عسكرية في اليمن . بل دعوا الى ان تلجأ السعودية الى حلّ أخوي يُخرج اليمن مما هو فيه من فقر ، وجهل ، وتخلف ، وتعصب ، وأن تسعى الى تشكيل لجنة مارشال لإنقاذ اليمن مما يعاني ، وذلك بشق الطرق ، وتطوير خدمات البنية التحتية ، ورفع مستوى معيشة اليميين الذين يعانون من فقرٍ مُدقع . ولو انفقت السعودية بضع عشرات من المليارات ، لكسبت اليمن الى الأبد ، ووفرت مئات المليارات التي تكبدتها في حرب غير مبررة مع قُطرٍ عربي شقيق . ولمَا لجأ الحوثيون ( الزيديون ) الى دعم إيران ومساندتها . لأنهم لم يوالوا إيران يوماً ، ولم يُحسبوا عليها ، بل كانوا أقرب الى السُّنة منهم الى الشيعة . وكان أمامنا ما يفترض انه درساً قاسياً للنظام العربي ، تمثل ذلك بلجوء حركتي حماس والجهاد الإسلامي للحصول على الدعم الإيراني ، بعدما تخلت عنهما الأقطار العربية ، واوقفوا الدعم لهما نهائياً ، مما إضطرهما للإرتماء في أحضان إيران .
المملكة العربية السعودية الشقيقة تواجه الآن خطراً داهماً ، يهددها وجودياً ، ووحدة . والرئيس الأمريكي / ترامب ، رفع يديه ، وإعتذر عن تقديم العون اللازم للسعودية — في هذا الظرف الخطير — وعرض تزويد السعودية بمستشارين فقط — فما الحل الآن ؟ وهل تُترك السعودية وحيدة في معضلتها الحالية !؟ خاصة بعد ان نكثت تركيا والباكستان التزامهما في إتفاق مكة الأخير .
عندها لم تجد السعودية بديلاً لحضنها العربي الدافيء ، وذهبت الى مصر الشقيقة الكبرى ، وتمخض اللقاء عن صدور إعلان رسمي يعتبر أمن مصر والسعودية واحداً ، وانهما لن يسمحا بتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب تحديداً .
طبعاً ، مصر لن تحرك جيشها ليخوض حرباً مع الحوثيين نيابة عن السعودية ، وإلا كان ذلك فعلاً جنونياً . لأن مصر لها تاريخ طويل في حربها مع اليمن في ستينات القرن الماضي ، التي امتدت ل ( ٥ ) خمس سنوات . عندما تدخلت مصر لدعم ومساندة حركة الضباط الأحرار في اليمن بقيادة المشير / عبدالله السلال ، وإسقاط النظام الملكي هناك .
لم يرشح شيء تفصيلي عن ما تم الإتفاق عليه بين مصر والسعودية ، لكنني اتوقع ان مصر إستعدت — عند الضرورة — لتسيير دوريات ، وما شابه لحماية باب المندب ، خاصة ان إغلاق باب المندب ، يلحق ضرراً كبيراً بالإقتصاد المصري لأنه يُغلق قناة السويس .
وربما تشارك مصر في دحر تقدم الحوثيين داخل الأراضي السعودية . وقد سبق ان شاركت وحدات خاصة من الكوماندوز من القوات المسلحة الأردنية في عام ٢٠٠٩ ، في صد تقدم ، وتسلل ، وتوغل جماعة الحوثي داخل الأراضي السعودية ، وأنجزت القوات الأردنية مهماتها بسرعة ، وكفاءة ، وإقتدار . وأظن ان السعودية ستلجأ الى الأردن ، بعد مصر ، مستنجدة ، فيما لو تطورت الأمور إلى الأسوأ لا سمح الله .
السعودية الشقيقة ، في أوقات الرخاء ، تُفَتِّر علاقاتها مع مصر والأردن ، وتلجأ اليهما في أوقات الشِّدة . ومع ذلك فإن القطرين العربيين الأصيلين مصر والأردن ، لم يسبق لهما ان تخليا عن اي قُطرٍ عربي إستجند بهما ، وطلب العون ، بغض النظر عن اي شيء .
السعودية تأثرت كثيراً بالحرب الدائرة الآن بين أمريكا وإيران ، سواء بقصف الأراضي والمنشآت ، او بإغلاق مضيق هرمز . أما إغلاق مضيق باب المندب فيعتبر خَنقاً فعلياً للسعودية . ويعتبر تهديداً وجودياً لها ، عدا عن التأثير الإقتصادي السلبي الكبير ، ووقف صادراتها النفطية ، يضاف لذلك توجس أصحاب الإستثمارات الكبيرة خِيفةً من الوضع ، وهم الذين نجحت السعودية في استقطابهم خلال العقد الماضي .
الحلّ الدائم يكمن في تفعيل الأقطار العربية ، معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تم إقرارها عام ١٩٥٠ ، اي قبل ( ٧٦ ) عاماً ، التي تعفنت ، وما زالت حبيسة الأدراج .
لجأت الأقطار العربية الى تحالفات مُجحفة ، وغير مُجدية ، مع دول غربية ، ينتهكون بها سيادة وحُرمة أوطاننا ، ويستغلوننا ، ويستنزفوننا ، بل ويستعمروننا ، ويتخلون عنا عند الضرورة والحاجة الفعلية إليهم .
لا بد من تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك ، وفوراً ، على ان يكون المكون الرئيسي لهذا الجيش من الأقطار العربية المشهود لها بكفاءة جنودها مثل : مصر ، وسوريا ، والعراق ، والأردن ، والجزائر، والمغرب وغيرها ، وعلى أقطار الخليج العربي عامة ان تمول إنشاء جيش عربي موحد قوامه ( ٣٠٠,٠٠٠ ) جندي مجهز بأحدث المعدات ، بحيث يكون جاهزاً للإنطلاق الى مناطق التهديد لأي قُطرٍ عربي ، ليحمي سيادته ، وإستقلاله ، وكينونته إذا هُددت .
مُحيطنا يغلي ، بل يشتعل ، والخطر داهم يُهدد عدداً من الأقطار العربية ، والأعداء — وهم كُثر — يكيدون بنا ، ويطمعون فينا ، والخطر قاب قوسين او أدنى من رؤوسنا ، وحتى وجودنا .
قوتنا تكمن في وحدتنا ، او إتحادنا ، او تنسيقنا المشترك كحدٍ أدنى . أجد انه من الضروري جداً — حسبما تفرضه الظروف الحالية الصعبة والتهديد العظيم الذي تواجهه معظم الأقطار العربية — ان يتم إنتهاج سياسة التنسيق بين الأقطار العربية على مستوى وزراء الخارجية ، والدفاع ، للتصدي ، ومجابهة الأخطار والتحديات والتهديدات العظيمة التي تحيق بنا .
ضعفكم سببه فرقتكم ، فحذاري من إستمرارها . وأقتبس ، وأكرر ما قاله غيري : لا تتركوا السعودية وحيدة ، قِفوا بجانبها ، وساندوها ، فمحيطنا يغلي ، والكل مُهدد ، والبعض قد يتشظى .
وأختم ببيتين من الشعر معروفين ، ومشهورين ، ومتداولين ، دون ان نقتبس منهما الفكرة ، والعِبرة ، البيتين للقائد الأموي / المهلب إبن أبي الصُفرة ، حيث قال :—
كُونُوا جَميعاً يا بَنِيَّ إذا إعْتَرَى / خَطْبٌ ولا تَفَرَّقوا آحَادا
تأبى الرِمَاحُ إذا إِجْتَمَعْنَ تَكَسُّراً / وإذا إفْتَرَقْنَ تَكَسَّرَتْ أَفْرَدَا .

