خطاب الملك في الأمم المتحدة.. صوت الأردن في مواجهة اختلالات المشهد الدولي

4 د للقراءة
4 د للقراءة
خطاب الملك في الأمم المتحدة.. صوت الأردن في مواجهة اختلالات المشهد الدولي

صراحة نيوز – عبدالله الربيحات

في خطاب حمل وضوحاً سياسياً لافتاً، ونبرة حازمة تستند إلى القانون الدولي والحقائق الماثلة على الأرض، وضع جلالة الملك عبدالله الثاني أمام المجتمع الدولي جملة من الحقائق التي لم يعد ممكناً تجاهلها، مؤكداً أن استمرار الأزمات دون محاسبة أو حلول حقيقية يهدد منظومة الأمن والاستقرار برمتها.
ويستحق خطاب جلالته أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة التوقف عند مضامينه ودلالاته، لما حمله من رسائل مباشرة بشأن التطورات الخطيرة في المنطقة، وفي مقدمتها الاعتداءات الإسرائيلية، والتوسع الجغرافي، وتجاهل القرارات الدولية، إلى جانب المخاطر التي تفرضها التطورات في سوريا على أمن المنطقة.
وتبرز أهمية الخطاب في أنه لم يكتفِ بوصف الواقع، بل وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته. فقد أشار جلالة الملك بوضوح إلى أن التعامل مع الانتهاكات لا يمكن أن يبقى محصوراً في الإدانات والقرارات التي تنتهي إلى حبر على ورق، مشدداً على أن غياب المساءلة يخلق واقعاً يسمح بتكرار الانتهاكات وفرض حقائق جديدة على الأرض.
ومن أبرز ما يحسب للخطاب أنه ربط بين الأمن الإقليمي والأمن الوطني الأردني، بصورة لا تحتمل الالتباس. فحين أكد جلالته أن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، كان يضع مسألة حماية المصالح الوطنية في إطارها الطبيعي، باعتبارها مسؤولية ثابتة لا تخضع لتبدل الظروف أو تغير أولويات المجتمع الدولي.
كما حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن سوريا، التي وصفها جلالته بأنها تمثل إنذاراً يختار المجتمع الدولي عدم الالتفات إليه، في إشارة إلى التوغلات والتوسع الجغرافي وفرض الوقائع الجديدة، بما فيها ما يمس مصادر مائية حيوية. وهذه الإشارة تعكس قراءة أردنية للمشهد الإقليمي تقوم على التحذير المبكر من تداعيات الأزمات قبل تحولها إلى تهديدات أوسع نطاقاً.
وفي الملف الفلسطيني، حافظ الأردن على موقفه الثابت في دعم صمود الشعب الفلسطيني، والتمسك بالحلول القائمة على القانون الدولي، ومواصلة دعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، إلى جانب حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، في إطار الوصاية الهاشمية.
ويحسب للخطاب كذلك أنه قدّم الدبلوماسية الأردنية باعتبارها خياراً قائماً على المبادئ، لا تعبيراً عن التراجع أو الضعف. فالأردن، كما أكد جلالة الملك، مستعد للحوار مع الجميع والعمل مع كل من يسعى إلى السلام، مع التمسك في الوقت ذاته بالقيم الإنسانية وبالمصالح الوطنية.
وفي مواجهة منطق القوة العسكرية، جاءت رسالة الملك واضحة: القوة وحدها لا تطعم الجائع، ولا تعيد المهجرين إلى ديارهم، ولا تبني السلام. وهي رسالة تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة لتؤكد الحاجة إلى معالجة جذور الأزمات، وتعزيز المؤسسات الدولية القادرة على استعادة الثقة والشرعية.
إن أهمية هذا الخطاب تكمن في صراحته وتماسك رسائله؛ فهو خطاب أردني يضع الأمن الوطني في مقدمة الأولويات، ويدافع عن الحقوق المشروعة، ويطالب المجتمع الدولي بالانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها.
وبذلك، يقدم خطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدة موقفاً أردنياً واضحاً في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ويؤكد أن الأردن سيواصل حماية أمنه ومياهه ومصالح شعبه، مع التمسك بالدبلوماسية والسلام والقانون الدولي، ورفض أن تتحول القرارات الدولية إلى مجرد نصوص بلا أثر على أرض الواقع.

شارك هذا المقال