صراحة نيوز- د.مهندس عبد الفتاح طوقان
دخل الذكاء الاصطناعي مكاتب المهندسين من أوسع أبوابها، وربما أسرع مما دخلت الحواسيب وبرامج التصميم قبل عقود. فهو اليوم يقرأ آلاف الصفحات في دقائق، ويحلل البيانات، ويقترح الحلول والتصاميم، ويراجع العقود والمواصفات، ويتنبأ بالمخاطر والتأخير والتكلفة.
لكن خلف هذا التطور يقف سؤال أخطر من التقنية نفسها:
إذا أخطأ الذكاء الاصطناعي، وانهار جسر، أو فشل سد، أو تعطلت منظومة كهربائية، أو صدر تصميم خاطئ، فمن نحاسب: المهندس أم الخوارزمية؟
الإجابة، في رأيي، واضحة: نحاسب الإنسان الذي اعتمد العمل.
فالذكاء الاصطناعي لا يحمل شهادة هندسة، ولا رخصة مزاولة مهنة، ولا يضع ختمًا هندسيًا، ولا يمثل أمام لجنة تأديبية أو محكمة. إنه أداة متطورة، أما المسؤولية المهنية والأخلاقية والقانونية فتبقى على الإنسان.
وهنا تقدم التجربة الكندية درسًا مهمًا. ففي التوجيه الصادر عن جمعية المهندسين والجيولوجيين المحترفين في ألبرتا APEGA بتاريخ 23 مارس 2026، لم تتجه الجمعية إلى منع التقنية، وإنما أرست مبدأ بسيطًا: استخدم الذكاء الاصطناعي، ولكن لا تسلمه مسؤوليتك المهنية.
وتعاملت APEGA مع نتائجه كما يتعامل المهندس مع نتائج البرامج والحاسبات والجداول المرجعية: يجوز استخدامها، لكن يجب ممارسة العناية المهنية الواجبة Due Diligence والتحقق من دقتها وملاءمتها.
والأهم أن من لا يمتلك التدريب والخبرة اللازمة لفهم مخاطر أدوات الذكاء الاصطناعي وحدودها وصحة نتائجها، لا ينبغي له استخدامها في ممارسته المهنية.
وهذه هي القضية التي يجب أن تبدأ منها نقابات المهندسين العربية. فالخطر الحقيقي ليس في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في استخدامه دون فهم كيف وصل إلى النتيجة.
وهناك مخاطر أخرى: السرية، وحماية بيانات المشاريع، والأمن السيبراني، والملكية الفكرية، والتحيز الخوارزمي، واستخدام معلومات قديمة أو غير ملائمة للكود أو القانون المحلي. وما يصلح في كندا ليس بالضرورة
صالحًا تلقائيًا في دولة أخرى.
إطار عملي للمسؤولية: من يسأل عن ماذا؟
أقترح أن تتبنى نقابات المهندسين إطارًا من خمس حلقات للمسؤولية عند استخدام الذكاء الاصطناعي:
أولًا: مسؤولية الكفاءة. قبل استخدام أي أداة، يجب أن يسأل المهندس: هل أفهم قدراتها وحدودها ومخاطرها بدرجة تسمح لي باستخدامها مهنيًا؟ إذا كانت الإجابة لا، فلا يجوز الاعتماد عليها في قرار هندسي.
ثانيًا: مسؤولية البيانات. على المهندس والمؤسسة التأكد من مشروعية إدخال البيانات، وحماية أسرار العميل والمشروع، وعدم رفع العقود والمخططات والبيانات الحساسة إلى منصات غير معتمدة.
ثالثًا: مسؤولية التحقق. لا يعتمد أي ناتج للذكاء الاصطناعي يمس السلامة أو التصميم أو التكلفة أو البرنامج أو الحقوق التعاقدية قبل مراجعته والتحقق منه بواسطة شخص مؤهل. وكلما ارتفعت خطورة القرار، ارتفع مستوى المراجعة المطلوبة.
رابعًا: مسؤولية التوثيق
والشفافية. في الاستخدامات الجوهرية ينبغي تسجيل الأداة المستخدمة، والبيانات والافتراضات الأساسية، وما أنتجه النظام، ومن راجعه، وما الذي تم تعديله، ومن اتخذ القرار النهائي. فالنتيجة التي لا يمكن تتبع أساسها يصعب الدفاع عنها مهنيًا.
خامسًا: مسؤولية الاعتماد النهائي. الشخص الذي يوقع أو يختم أو يعتمد المنتج الهندسي يتحمل المسؤولية المهنية عنه. واستخدام الذكاء الاصطناعي لا يجوز أن يشكل وسيلة لنقل المسؤولية إلى الخوارزمية أو مزود البرنامج.
ويمكن تلخيص الإطار في قاعدة عملية بسيطة:
اعرف الأداة → احمِ البيانات → تحقق من النتيجة → وثّق القرار → تحمّل مسؤولية الاعتماد.
أما في الأعمال عالية الخطورة، كالتصميم الإنشائي للسدود والجسور والمنشآت الحيوية وأنظمة السلامة، فينبغي إضافة مراجعة بشرية مستقلة ثانية قبل الاعتماد النهائي.
ماذا يجب أن تفعل نقابات المهندسين؟
لم يعد كافيًا أن تصدر النقابات نصائح عامة. المطلوب مدونة مهنية ملزمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الهندسة، تصنف الاستخدامات حسب المخاطر، وتحدد متطلبات المراجعة البشرية، والإفصاح، والتوثيق، وحماية البيانات، والختم الهندسي والمساءلة التأديبية.
كما ينبغي إدخال AI Engineering Literacy ضمن التطوير المهني المستمر، مع إنشاء لجنة دائمة للذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الهندسية تراجع القواعد دوريًا؛ لأن التكنولوجيا تتطور أسرع من التشريعات.
ويجب أن تعمل هذه المدونة جنبًا إلى جنب مع قوانين مزاولة المهنة، والأكواد الهندسية، وأنظمة السلامة، وحماية البيانات والخصوصية، والأمن السيبراني، والملكية الفكرية، والمسؤولية المدنية والعقدية.
وقد يأتي يوم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي تصميم جسر كامل في دقائق.
لكن سيظل السؤال: من يتحمل المسؤولية عندما يكون القرار متعلقًا بحياة الإنسان وسلامة المجتمع؟
هنا يجب أن تتوقف الآلة، ويبدأ دور المهندس.
فالمستقبل ليس للمهندس الذي يرفض الذكاء الاصطناعي، ولا لمن يطيعه بلا تفكير؛ بل لمن يستخدمه، ويسائله، ويتحقق منه، ويوثق قراره، ثم يتحمل مسؤوليته المهنية — ويملك الشجاعة لأن يقول للآلة أحيانًا: أنت مخطئة.
aftoukan@yahoo.com

