كلام الملك القول الفصل

4 د للقراءة
4 د للقراءة
كلام الملك القول الفصل
Screenshot

صراحة نيوز- بقلم الدكتور أحمد الجداية
لَمْ يَكُنِ الخِطَابُ الَّذِي أَلْقَاهُ جَلَالَةُ المَلِكِ عَبْدُ اللَّهِ الثَّانِي أَمَامَ الجَمْعِيَّةِ العَامَّةِ لِلْأُمَمِ المُمَتَّحِدَةِ مُجَرَّدَ روتين دِبْلُومَاسِيٍّ سَنَوِيٍّ يُضَافُ إِلَى سِجِلِّ المَحَافِلِ الدَّوْلِيَّةِ، بَلْ جَاءَ بِمَثَابَةِ وَثِيقَةٍ سِيَاسِيَّةٍ اسْتْرَاتِيجِيَّةٍ قَاطِعَةٍ تُشَكِّلُ قِرَاءَةً حَاسِمَةً لِلْمَشْهَدِ الإِقْلِيمِيِّ، وَتَضَعُ النِّقَاطَ عَلَى الحُرُوفِ فِي ظرف استراتيجي شَدِيدَةِ الصُّعُوبَةِ وَالتَّعْقِيدِ؛ فَقَدْ قَرَأَ الأُرْدُنُّ المَشْهَدَ بِمُنْتَهَى الوُضُوحِ، مُدَشِّنًا مَرْحَلَةً تَسْمِيَةِ الأَشْيَاءِ بِأَسْمَائِهَا، وَدَاقًّا نَاقُوسَ الخَطَرِ أَمَامَ مُجْتَمَعٍ دَوْلِيٍّ يَغْرَقُ فِي اِزْدِوَاجِيَّةِ مَعَايِيرَ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ.
وَجَاءَ الطَّرْحُ المَلَكِيُّ فِي نِيُويُورْكَ لِيُحْدِثَ إِخْتِرَاقًا فِي حَالَةِ الصَّمْتِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ؛ إِذْ لَمْ يَكْتَفِ الخِطَابُ بِتَوْصِيفِ المَأْسَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي قِطَاعِ غَزَّةَ وَالضَّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ، بَلْ ذَهَبَ إِلَى تَفْكِيكِ البِنْيَةِ التَّوَسُّعِيَّةِ لِلِاحْتِلَالِ الصَّهْيُونِيِّ. لَقَدْ بَيَّنَ الخِطَابُ بِوُضُوحٍ أَنَّ مَا يَجْرِي مِنْ مَذَابِحَ، وَتَجْوِيعٍ، وَاقْتِلَاعٍ لِلشَّجَرِ وَالحَجَرِ، وَمَحَاوَلَاتٍ مُمَهَّجَةٍ لِتَفْرِيغِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِهَا، لَيْسَ مُجَرَّدَ رَدِّ فِعْلٍ عَسْكَرِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ تَنْفِيذٌ لِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ «ابْتِلَاعِ الأَرْضِ» الَّتِي لَنْ تَتَوَقَّفَ حُدُودُهَا عِنْدَ فِلَسْطِينَ المُحْتَلَّةِ، بَلْ تَمْتَدُّ أَطْمَاعُهَا علناً لِتَسْتَهْدِفَ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ المُجَاوِرَةَ فِي سُورِيَا ولبنان والاردن ومصر ، ضِمْنَ رُؤْيَةٍ إِسْرَائِيلِيَّةٍ مَأْزُومَةٍ تَسْعَى لِفَرْضِ وَاقِعٍ جِيُوسيَاسِيٍّ جَدِيدٍ بِالدَّمِ وَالقُوَّةِ.
وَفِي مُقَابِلِ هَذَا الهوس التَّدْمِيرِيِّ، وَضَعَ الخِطَابُ «العَالَمَ المَتَحَضِّرَ» أَمَامَ مِرْآةِ عَارِهِ الأَخْلَاقِيِّ؛ إِذْ كَشَفَ المَلِكُ كَيْفَ يَتَعَامَلُ النِّظَامُ الدَّوْلِيُّ مَعَ الجَرَائِمِ الصَّهْيُونِيَّةِ بِنَوْعٍ مِنَ «البَلَادَةِ السِّيَاسِيَّةِ»، وَكَأَنَّ العَوَاصِمَ الكُبْرَى تُتَابِعُ خِيَارَ القَتْلِ وَالتَّجْوِيعِ عَبْرَ الشَّاشَاتِ كَأَنَّهُ مُبَارَاةٌ فِي كُرَةِ القَدَمِ أَوْ مَشْهَدٌ مِنْ فِيلْمٍ هُولِيوُودِيٍّ سِينَمَائِيٍّ. كَمَا أَشَارَ الخِطَابُ بِشَجَاعَةٍ إِلَى أَنَّ القَرَارَاتِ الدَّوْلِيَّةَ تُفْرَضُ بِحَزْمٍ وَقَسْوَةٍ عَلَى الجَمِيعِ، بَيْنَمَا تُسْتَثْنَى إِسْرَائِيلُ دَائِمًا مِنَ المُلَاحَقَةِ وَالرّدع؛ وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ المُطَالَبَةُ المَلَكِيَّةُ المُبَاشِرَةُ بِضَرُورَةِ فَرْضِ عُقُوبَاتٍ دَوْلِيَّةٍ قَاسِيَةٍ وَحَقِيقِيَّةٍ تُجْبِرُ هَذَا الكِيَانَ عَلَى الاِمْتِثَالِ لِلشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ وَقَرَارَاتِهَا.
وَعَلَى المُسْتَوَى الدَّاخِلِيِّ وَالإِقْلِيمِيِّ، حَقَّقَ الخِطَابُ المَلَكِيُّ قَطْعِيَّةً مَفْصِلِيَّةً؛ إِذْ أَسْقَطَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ كَافَّةَ الأَقْلَامِ وَالأُطْرُوحَاتِ النُّخْبَوِيَّةَ الَّتِي حَاوَلَتْ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ تَسْوِيقَ مَقُولَةِ أَنَّ إِسْرَائِيلَ لَمْ تَعُدِ التَّهْدِيدَ الأَوَّلَ وَالأَسْرَعَ لِلْأَمْنِ القَوْمِيِّ الأُرْدُنِيِّ وَالعَرَبِيِّ. إِنَّ الوُضُوحَ الَّذِي تَحَدَّثَ بِهِ رَأْسُ الدَّوْلَةِ يَفْرِضُ اليَوْمَ اسْتِحْقَاقًا كَامِلًا عَلَى كَافَّةِ أَجْهِزَةِ الدَّوْلَةِ، وَمُؤَسَّسَاتِهَا الفِكْرِيَّةِ، وَالثَّقَافِيَّةِ، وَالإِعْلَامِيَّةِ، وَالعَسْكَرِيَّةِ، لِإِعَادَةِ تَنْظِيمِ الصُّفُوفِ وَفْقَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ الثَّابِتَةِ: الاِحْتِلَالُ الصَّهْيُونِيُّ وَأَطْمَاعُهُ هُوَ الخَطَرُ الوُجُودِيُّ الأَوَّلُ. وَهَذَا يَقْتَضِي بِالضَّرُورَةِ رَفْعَ مُسْتَوَى الجَاهِزِيَّةِ الشَّامِلَةِ دِفَاعًا عَنْ تُرَابِ الأُرْدُنِّ الطَّاهِرِ—أَرْضِ الرِّبَاطِ وَمَوْئِلِ الصَّحَابَةِ وَالمُجَاهِدِينَ—ضِدَّ أَيِّ سِينِارْيُو يَسْتَهْدِفُ سِيَادَتَنَا أَوْ يَسْعَى لِتَصْفِيَةِ القَضِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ عَلَى حِسَابِ الأُرْدُنِّ.
وَأَمَامَ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ الدَّاهِمَةِ، رَسَمَ المَلِكُ مَعَالِمَ الجَبْهَةِ الأُرْدُنِيَّةِ الصَّلْبَةِ: الأُرْدُنُّ لَيْسَ سَاحَةً مُفَرَّغَةً وَلَا الحَلَقَةَ الأَضْعَفَ فِي المِنْطَقَةِ. إِنَّ التَّلَاحُمَ البِنْيَوِيَّ بَيْنَ القِيَادَةِ الهَاشِمِيَّةِ ذَاتِ الشَّرْعِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ المُمْتَدَّةِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ حِمَى الإِسْلَامِ وَالعُرُوبَةِ وَالمُقَدَّسَاتِ، وَبَيْنَ الجَيْشِ العَرَبِيِّ المَصْطَفَوِيِّ، وَالشَّعْبِ الأُرْدُنِيِّ الحُرِّ الأَبِيِّ، يُشَكِّلُ مَنْبَعًا وَسَدًّا مَنِيعًا تَتَحَطَّمُ عَلَيْهِ كُلُّ الأَطْمَاعِ الصَّهْيُونِيَّةِ. فَالشَّعْبُ الأُرْدُنِيُّ، المُسْتَنِدُ إِلَى إِرْثِ العِزَّةِ وَالكَرَامَةِ، يَقِفُ فِي خَنْدَقٍ وَاحِدٍ خَلْفَ قِيَادَتِهِ، مُظْهِرًا اسْتِعْدَادًا ذَاتِيًّا وَدَائِمًا لِلذَّوْدِ عَنْ حِمَى الوَطَنِ بِكُلِّ مَا يَمْلِكُ.
وَفَضْلًا عَنْ ذَلِك، جَاءَ خِطَابُ نِيُويُورْكَ لِيَرُدَّ بِشَكْلٍ عَمَلِيٍّ وَحَاسِمٍ عَلَى كَافَّةِ مَحَاوَلَاتِ التَّشْكِيكِ المُبْتَذَلَةِ؛ فَقَدْ تَهَاوَتْ فِي أَعْلَى مَحْفَلٍ أُمَمِيٍّ ادِّعَاءَاتُ الأَصْوَاتِ العَدَمِيَّةِ فِي الخَارِجِ، وَأَبْوَاقُ المُشَكِّكِينَ، وَمُزَايَدَاتُ مَا يُسَمَّى بِـ «مِحْوَرِ الصُّمُودِ وَالمُقَاوَمَةِ» الَّذِي يَكْتَفِي بِالتَّنْظِيرِ وَشِعَارَاتِ الصِّرَاعَاتِ بِالوَكَالَةِ. لَقَدْ أَثْبَتَ جَلَالَةُ المَلِكِ عَبْدُ اللَّهِ الثَّانِي أَنَّ المَوْقِفَ الشَّجَاعَ وَالصَّلْبَ يُقَالُ جِهَارًا دُونَ خَوْفٍ أَوْ وَجَلٍ أَمَامَ العَالَمِ أَجْمَعَ، خَوْضًا لِمَعْرَكَةِ الحَقِّ وَالدِّفَاعِ عَنْ فِلَسْطِينَ وَالأُرْدُنِّ بِأَفْعَالٍ سِيَادِيَّةٍ لَا بِشِعَارَاتٍ إِنْشَائِيَّةٍ.
إِنَّ القَوْلَ الفَصْلَ الَّذِي صَدَحَ بِهِ المَلِكُ عَبْدُ اللَّهِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ فِي مُؤْتَمَرٍ، بَلْ هُوَ دَلِيلُ عَمَلٍ لِمَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الحَزْمِ الوَطَنِيِّ. يَقِفُ الأُرْدُنُّ اليَوْمَ، قِيَادَةً وَجَيْشًا وَشَعْبًا، فِي حَالَةِ اسْتِنْهَاضٍ شَامِلَةٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ رُدُودِ الفِعْلِ اللَّحْظِيَّةِ إِلَى بِنَاءِ مَوْقِفِ رَدْعٍ حَقِيقِيٍّ؛ مَوْقِفٍ يُؤَكِّدُ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ أَنَّ الأُرْدُنَّ كَانَ وَسَيَبْقَى بَلَدَ الكَرَامَةِ وَالعِزَّةِ، وَسَدًّا عَصِيًّا عَلَى الاِنْكِسَارِ أَمَامَ كُلِّ الأَطْمَاعِ وَالتَّحَدِّيَاتِ.

شارك هذا المقال