أحمد سوسة و«العرب واليهود في التاريخ»… حين يوضع التاريخ نفسه في قفص الاتهام

7 د للقراءة
7 د للقراءة
أحمد سوسة و«العرب واليهود في التاريخ»… حين يوضع التاريخ نفسه في قفص الاتهام

صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي

ليست كل الكتب التي تعود إلى التاريخ كتبًا عن الماضي. بعضها يُكتب لأن معركة الحاضر تبحث عن جذورها، وبعضها الآخر يحاول أن ينتزع التاريخ من يد السياسة قبل أن تحوّله إلى وثيقة ملكية. وفي هذه المنطقة تحديدًا يقف كتاب الدكتور أحمد سوسة «العرب واليهود في التاريخ – حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الأثرية»؛ كتابٌ لا يكتفي بالسؤال عمّن سكن فلسطين، بل يذهب إلى سؤال أخطر: كيف تحوّل التاريخ القديم إلى حجة سياسية حديثة؟
وأهمية الكتاب تبدأ من صاحبه قبل أن تبدأ من صفحاته. فأحمد سوسة لا يقدم نفسه في هذا العمل خطيبًا سياسيًا، وإنما باحثًا يريد أن يجمع بين التاريخ والآثار والجغرافيا واللغة والنصوص القديمة. ومنذ المقدمة يوضح أن القضية عنده تتصل بتاريخ فلسطين القديم وعلاقته بالتراث التوراتي، وأن منهجه يقوم على مقارنة الروايات بالمكتشفات والمصادر الأخرى، لا الاكتفاء بالنص الديني منفردًا. �
العـرب واليهـود في التاريـخ – الكاتب أحمـد سـوسـة.pdf
وهنا يمكن العثور على مفتاح الكتاب كله.
فسوسة لا يبدأ من قيام إسرائيل، ولا من وعد بلفور، ولا حتى من ظهور الصهيونية. إنه يرجع آلاف السنين إلى الوراء، إلى الهجرات القديمة نحو الهلال الخصيب، والكنعانيين والفينيقيين والآراميين، ثم جزيرة العرب، وبعد ذلك ينتقل إلى التوراة وإبراهيم وموسى وبني إسرائيل، قبل أن يصل في نهاية الرحلة إلى الصهيونية والاستعمار وقيام إسرائيل. ويكشف فهرس الكتاب نفسه عن هذا البناء المتدرج بوضوح. �
العـرب واليهـود في التاريـخ – الكاتب أحمـد سـوسـة.pdf
لماذا هذا الطريق الطويل؟
لأن المؤلف يريد منع القارئ من الوقوع في الفخ الذي يناقشه: أن يبدأ تاريخ فلسطين من اللحظة التي تناسب الرواية السياسية الحديثة.
فلسطين عند سوسة لم تكن أرضًا تنتظر وصول جماعة لتبدأ حياتها التاريخية. كانت جزءًا من فضاء حضاري أوسع تحركت داخله الشعوب والهجرات والثقافات قبل ظهور بني إسرائيل بزمن طويل. ومن هنا يناقش الكنعانيين والهجرات السامية القديمة، ثم يوسع الدائرة إلى تصور المشرق باعتباره وحدة جغرافية وحضارية مترابطة. �
العـرب واليهـود في التاريـخ – الكاتب أحمـد سـوسـة.pdf
لكن أكثر ما يلفت في الكتاب هو جرأة سوسة على تفكيك المصطلحات نفسها.
فهو لا يتعامل مع إبراهيم وموسى وبني إسرائيل واليهود والصهيونية وكأنها أسماء متعددة لهوية تاريخية واحدة امتدت آلاف السنين دون انقطاع. بل يفصل بين الأزمنة والمراحل، ويعيد كل مصطلح إلى سياقه. وهذا التفريق ليس لغويًا فقط؛ إنه يصيب صميم الاستدلال السياسي الذي يحاول وصل إبراهيم مباشرة بالدولة الإسرائيلية الحديثة عبر خط تاريخي مستقيم.
ومن هنا يصبح سؤال الكتاب: هل يجوز أخذ شخصية من الألف الثاني قبل الميلاد، ثم إسقاط هوية قومية حديثة عليها، وبعد ذلك استخدام النتيجة لإثبات حق سياسي في القرن العشرين؟
سوسة يرفض هذه القفزة.
ثم تأتي التوراة، وهي الساحة الأكثر حساسية في الكتاب. المؤلف لا يلغي قيمتها الدينية، لكنه يرفض تحويلها إلى وثيقة تاريخية وحيدة فوق النقد. ولذلك يضع الرواية التوراتية أمام المكتشفات الأثرية والنصوص والحضارات التي سبقتها أو عاصرتها. ويخصص فصلًا لـ«التوراة في ضوء المكتشفات الأثرية»، يناقش فيه الطوفان وبعض الشرائع والتقاليد والتشابهات مع التراث البابلي والسومري وغيره. �
العـرب واليهـود في التاريـخ – الكاتب أحمـد سـوسـة.pdf
وهنا يصبح الكتاب أكثر من دراسة في الماضي؛ يصبح تفكيكًا للطريقة التي يُستخدم بها الماضي.
فإذا كانت النصوص الدينية قد نشأت داخل بيئة حضارية واسعة وتأثرت وتفاعلت مع تراث المنطقة، فإن تحويل جزء منها إلى سند سياسي حصري للأرض يصبح مسألة تحتاج إلى برهان مختلف تمامًا.
وهذه هي إحدى أقوى نقاط أحمد سوسة: إنه يفرق، عمليًا، بين الإيمان بالنص واستخدام النص لإنتاج حق سياسي معاصر.
وعندما يصل الكتاب إلى الصهيونية، نفهم لماذا أمضى المؤلف كل تلك الصفحات في إبراهيم وموسى والكنعانيين والتوراة. فالفصل الأخير تقريبًا يحمل عنوانًا صريحًا: «دور الصهيونية والاستعمار في خلق إسرائيل». �
العـرب واليهـود في التاريـخ – الكاتب أحمـد سـوسـة.pdf
أي أن الرحلة لم تكن أثرية خالصة.
كان سوسة يبحث في الكيفية التي انتقلت بها الرواية من النص المقدس إلى الحركة القومية، ومن الذاكرة الدينية إلى المشروع السياسي، ثم دخل العامل الاستعماري ليصبح التاريخ القديم جزءًا من الصراع الحديث.
ومع ذلك، فإن القراءة المنصفة للكتاب تستوجب التمييز بين قوة السؤال وصحة كل إجابة قدمها المؤلف. فالكتاب كُتب في سياق معرفي وسياسي يعود إلى عقود مضت، وبعض فرضياته التاريخية واللغوية والأنثروبولوجية تستحق أن يعاد اختبارها على ضوء ما تراكم لاحقًا من بحوث أثرية ودراسات للشرق الأدنى القديم. ولا ينبغي تحويل أحمد سوسة نفسه إلى «نص مقدس» في كتاب هدفه الأساسي نقد تقديس الروايات التاريخية.
وهذه المفارقة تزيد الكتاب قيمة ولا تنتقص منها.
فقيمة «العرب واليهود في التاريخ» ليست في أن القارئ ملزم بقبول كل استنتاج، وإنما في أنه يجبره على إعادة طرح السؤال من البداية.
والسؤال ليس: هل عاش اليهود في فلسطين؟
فوجود الجماعات الإسرائيلية واليهودية في تاريخ فلسطين والمنطقة جزء من الموضوع الذي يناقشه الكتاب أصلًا.
السؤال الأعمق هو: هل الوجود التاريخي القديم لجماعة بشرية يتحول، بعد آلاف السنين، إلى ملكية سياسية حصرية للأرض؟
هنا يضع أحمد سوسة إصبعه على الجرح الذي ما زال مفتوحًا.
لأن قبول هذا المنطق بوصفه قاعدة عامة سيعيد رسم خرائط العالم كله؛ فالأرض في التاريخ انتقلت بين شعوب وإمبراطوريات وأديان وهجرات لا حصر لها. ولو تحولت كل إقامة قديمة إلى حق سيادي أبدي، فلن تبقى حدود في العالم مستقرة.
ولهذا، فإن «مقتل» كتاب أحمد سوسة لا يوجد في معلومة أثرية واحدة، ولا في إثبات أن الكنعانيين سبقوا الإسرائيليين، ولا في خلاف حول تاريخ إبراهيم أو موسى.
مقتل الكتاب الحقيقي أنه يسحب التاريخ من منصة الشاهد ويضعه في قفص الاستجواب.
يسأله: من اختار هذه اللحظة من آلاف السنين؟ ولماذا تجاهل ما قبلها وما بعدها؟ ومن الذي حوّل الرواية الدينية إلى وثيقة سياسية؟ ومتى أصبح التاريخ القديم قادرًا على منح دولة حديثة حقًا حصريًا في أرض متعددة الطبقات والشعوب؟
بعد أكثر من ثلاثمئة صفحة، ربما تكون أهم نتيجة يتركها أحمد سوسة أمام قارئه بسيطة وخطيرة في آن واحد:
التاريخ يستطيع أن يثبت أن شعبًا عاش على أرض، لكنه لا يستطيع وحده أن يثبت أن الآخرين لم يكن لهم تاريخ فيها.
وبين الجملتين تقع فلسطين، ويقع الصراع كله.

شارك هذا المقال