صراحة نيوز – كتب الصحفي ماجد القرعان
تشهد منظومة العمل البلدي في المملكة الأردنية الهاشمية مرحلة مفصلية من إعادة الهيكلة والتحديث، يقودها نائب رئيس الوزراء ووزير الإدارة المحلية المهندس وليد المصري صاحب الخبرات المتراكمة في شؤون البلديات والتي كانت بدايتها حين تولى منصب مساعد أمين عمّان أواخر التسعينيات وحتى مطلع الألفية حيث تولى في عام 2003 رئاسة بلدية اربد الكبرى وأصبح وزيراً للشؤون البلدية أول مرة في شهر آب 2013
وتأتي هذه الجهود في ظل سعي الحكومة لتجاوز العقبات المزمنة التي تواجه القطاع، وتحويل البلديات من جهات مستهلكة ومثقلة بالديون إلى رافعات تنموية حقيقية تنسجم مع رؤية التحديث الشاملة للدولة لكن المهمة لم تكن سهلة بالنسبة للوزير المصري لولا الخبرات التي يتميز بها حيث الشغل الشاغل لوزارة الإدارة المحلية تمكين البلديات ومجالس المحافظات لإحداث نقلة نوعية في مستوى الخدمات التي تُقدمها والمشاريع التي تسعى لتنفيذها والذي يتطلب سن تشريعات جديدة وتعديل تشريعات سابقة .
وتعد البلديات خط المواجهة الأول في تقديم الخدمات للمواطنين، وفق ما يؤكد عليه الوزير المصري في تصريحاته الرسمية كونها تتولى تقديم زهاء 70% من الخدمات المباشرة للمواطنين.
ورغم اتساع هذه الرقعة الخدمية، إلا أن الأداء العام يعاني من تفاوت ملموس بين بلديات المحافظات؛ فبينما تنجح بعضها في إدارة مواردها، تغرق بلديات أخرى في عجز تشغيلي يجعلها معتمدة كلياً على الموازنة .
أبرز المشاكل والتحديات وفقاً للتشخيص الرسمي المعتمد من وزارة الإدارة المحلية، تتلخص بالأزمات المالية وتضخم فاتورة الرواتب ، حيث تستهلك رواتب الموظفين ما يقارب 70% من إجمالي إيرادات البلديات، وشكّلت في بعض الفترات أكثر من 113% من إجمالي التحويلات الحكومية، مما لا يترك سوى هوامش ضئيلة جداً (نحو 30%) للإنفاق التشغيلي والمشاريع الرأسمالية.
ثم ضعف الجاهزية والتعامل مع الطوارئ حيث كشفت مواسم الشتاء والسيول المتكررة في بعض المناطق عن ضعف صيانة البنية التحتية، ونقص التنسيق، وغياب خطط الطوارئ الفعّالة لبعض مجالس الخدمات والبلديات.
ثم يأتي الترهل الإداري وغياب التأهيل حيث عانت الكوادر البلدية لعقود من تراجع الكفاءة الفنية والإدارية، نتيجة التعيينات العشوائية السابقة والمحسوبيات، مما انعكس سلباً على جودة المخرجات الهندسية والتخطيط الحضري فيما تشتكي البلديات من ضعف تحصيل عوائد التنظيم، ورسوم الأبنية، والمسقفات، والمستحقات المالية المترتبة على المواطنين والمنشآت.
الحكومة وضعت عبر وزارة الإدارة المحلية، استراتيجية واضحة لمعالجة هذه الاختلالات الهيكلية، تضمنت مسارات تشريعية، مالية، وتنفيذية وتتمثل ابرز الإجراءات والخطط الحكومية الحالية التحديث التشريعي مراجعة وإقرار مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، المستوحى من مخرجات اللجنة الملكية للتحديث السياسي.
ويهدف القانون إلى تنظيم الصلاحيات والأدوار، وتعزيز اللامركزية، وضبط مبررات حل المجالس البلدية وتأطيرها قانونياً لمنع أي تجاوزات الى جانب تطبيق خطة طوارئ مالية أسفرت عن خفض مديونية البلديات من 630 مليون دينار إلى 285 مليون دينار، عبر إعفاء وتسديد التزامات بقيمة 345 مليون دينار، وجدولة المتبقي على فترات سداد مرنة، إلى جانب رفع سيولة بنك تنمية المدن والقرى بالأضافة الى بناء القدرات والتدريب بإطلاق البرنامج الوطني لبناء قدرات موظفي البلديات بالتعاون مع الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية.
ويستهدف البرنامج تأهيل أكثر من 2000 موظف وموظفة في محاور التخطيط الحضري، الإدارة المالية، والعطاءات والتنمية المحلية وتفعيل الرقابة الصارمة عبر 5 جهات رقابية، وتشكيل لجان مؤقتة لإدارة البلديات عند الحاجة لضمان استمرارية الخدمات وإجراء تقييم شهري لأدائها وإشراك المجتمع والتنمية المستدامة ومأسسة جلب الاستثمارات المحلية، وإطلاق جلسات استماع للمواطنين لمعرفة أولويات الأحياء السكنية قبل تنفيذ المشاريع، إلى جانب حملات التخضير والتشجير المستدامة.
يتمثل مفهوم الوزير المصري لتطوير عمل البلديات في الانتقال بها من الدور الخدمي التقليدي إلى دور ريادي وتنموي شامل يجعلها أساساً للتنمية المستدامة ومحركاً رئيسياً في رؤية التحديث الاقتصادي.
ويركز المفهوم على تجاوز المهام التقليدية مثل النظافة وتعبيد الطرق ومراقبة الأبنية، نحو إقامة مشاريع استثمارية وتنموية وترفيهية ترفد ميزانيات البلديات وتخلق فرص عمل للحد من الفقر والبطالة واعتبار الشراكة مع القطاع الخاص خياراً استراتيجياً وأساسياً لتمويل وتنفيذ مشاريع استثمارية ناجحة، وتعظيم الاستفادة من الأصول البلدية غير المستغلة في قطاعات حيوية كالطاقة وإدارة النفايات والتأكيد على أن التنمية الحقيقية تبدأ من الميدان والمجتمعات المحلية عبر بناء اقتصادات محلية قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وتحقيق عدالة التوزيع التنموي واستثمار التشريعات وقانون الإدارة المحلية لمنح المجالس البلدية أدوات أوسع وصلاحيات أكبر، إلى جانب برامج مستمرة لبناء وتطوير قدرات ومهارات موظفي البلديات الى جانب دعم تمثيل الشباب والمرأة وذوي الإعاقة ضمن المجالس البلدية بما يتماشى مع مخرجات تحديث المنظومة السياسية.

