صراحة نيوز- بقلم المهندس محمد المبيضين
مدير عام مؤسسة الموانئ الأردنية الأسبق
مدير عام شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ الأسبق
لم تعد التحولات التي تشهدها حركة التجارة والنقل البحري في منطقتنا مجرد تداعيات مؤقتة لأزمة إقليمية، بل بدأت تفرض واقعًا جديدًا على خريطة سلاسل الإمداد ومسارات التجارة في الشرق الأوسط. وفي مثل هذه الظروف، لا تقاس أهمية الموانئ بحجم ما تستقبله في الظروف الطبيعية فقط، وإنما بقدرتها على الاستجابة عندما تتغير قواعد اللعبة، وتصبح بعض المسارات التقليدية أكثر كلفة أو مخاطرة أو أقل موثوقية.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو العقبة أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها؛ فالعقبة لم تعد مجرد بوابة بحرية للاقتصاد الأردني، ولا مجرد ميناء لخدمة السوق المحلية. التطورات الأخيرة أظهرت أن لديها المقومات التي تؤهلها لتكون جزءًا من منظومة إقليمية أوسع لسلاسل الإمداد تمتد إلى العراق وسوريا وبلاد الشام، وتتصل بالأسواق الخليجية، وتشكل حلقة وصل بين البحر الأحمر والأسواق العربية وشبكات التجارة الدولية.
والأرقام الحالية ليست مجرد مؤشرات عابرة. فقد ارتفع حجم حاويات الترانزيت عبر العقبة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 بنسبة تقارب161% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما قفز عدد الحاويات المتجهة إلى العراق بأكثر من933%. وجاءت هذه الزيادة في سياق التحولات التي أصابت طرق التجارة التقليدية، ولا سيما نتيجة الاضطرابات التي طالت الملاحة عبر مضيق هرمز.
وهنا تكمن أهمية المشهد، فالأردن لا يتعامل اليوم فقط مع زيادة في عدد الحاويات أو الشاحنات، وإنما مع تغير في مسار سلسلة الإمداد نفسها. البضاعة التي كان من الطبيعي أن تصل إلى الأسواق العراقية عبر موانئ الخليج، أصبح جزء منها يصل بحرًا إلى العقبة ثم ينتقل برًا عبر الأراضي الأردنية إلى العراق. كما تفتح اضطرابات بعض المسارات البحرية المجال أمام العقبة لتكون خيارًا إضافيًا أمام البضائع المتجهة إلى الأسواق الخليجية أو القادمة منها.
وهذا يعني أن العقبة بدأت تؤدي وظيفة مختلفة: حلقة وصل بين التجارة البحرية العالمية والأسواق البرية في المشرق العربي والخليج.
لكن السؤال الأهم ليس: كيف نستوعب الزيادة الحالية في حركة الترانزيت؟
بل:
كيف نحول هذه الحركة الاستثنائية إلى حصة مستدامة من التجارة الإقليمية حتى بعد انتهاء الظروف التي دفعتها إلى العقبة؟
وهنا يجب أن تتغير طريقة التفكير.
فالطفرة الحالية، حتى وإن كانت مدفوعة جزئيًا بالحرب والتوترات الإقليمية، يجب ألا ينظر إليها باعتبارها ظرفًا مؤقتًا فقط، بل باعتبارها اختبارًا عمليًا لقدرة العقبة على أن تصبح خيارًا استراتيجيًا دائمًا وموثوقًا للبضائع في المنطقة.
فالتاجر والمستورد وشركات الملاحة لا تبحث فقط عن أقصر طريق، وإنما عن الطريق الأكثر موثوقية، والأكثر قدرة على التنبؤ بالكلفة والوقت، والأقل تعرضًا للمخاطر.
ومن هنا، فإن الفرصة الحقيقية أمام العقبة هي الانتقال من مفهوم “الميناء” إلى مفهوم “المنظومة اللوجستية المتكاملة”.
فالميناء وحده لا يصنع مركزًا لوجستيًا.
المركز اللوجستي الحقيقي يبدأ من السفينة، لكنه لا ينتهي عند بوابة الميناء. إنه منظومة تشمل الأرصفة والساحات والمعدات والتخليص الجمركي والشاحنات والمستودعات والمناطق اللوجستية والطرق والنقل البري والمعابر الحدودية والأنظمة الرقمية، وصولًا إلى العميل النهائي.
ولهذا فإن سرعة خروج الحاوية من الميناء لا تقل أهمية عن سرعة مناولتها، وسرعة عبورها الحدود لاتقل أهمية عن سرعة تفريغها من السفينة.
وقد بدأت المملكة بالفعل في التحرك بهذا الاتجاه من خلال تطوير منظومات رقمية لإدارة حركة الشاحنات وتحسين تدفقها وتقليل أوقات الانتظار، في إطار الشراكة بين سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وشركة تطوير العقبة وشركاء القطاع الخاص. وهذه الخطوات تعكس انتقال التفكير من تطوير المرفق إلى تطوير المنظومة بأكملها.
لكن الفرصة أكبر من ذلك؛ فالعراق ليس مجرد سوق عبور مؤقت، بل سوق كبير يرتبط باحتياجات متنامية في البنية التحتية، والطاقة، والإسكان، والصناعة. وسوريا تدخل مرحلة تحتاج فيها إلى إعادة بناء بنيتها التحتية وتشغيل قطاعاتها الإنتاجية والخدمية، ما يعني طلبًا متزايدًا على مواد البناء والمعدات والآليات والسلع المختلفة.
أما الأسواق الخليجية، فهي من أكبر مراكز الطلب والاستهلاك والاستثمار في المنطقة، فضلًا عن كونها مراكز رئيسية للتجارة وإعادة التصدير. ولهذا لا ينبغي النظر إلى العراق وسوريا والأسواق الخليجية كمسارات منفصلة، بل كجزء من منظومة تجارية إقليمية مترابطة يمكن للأردن أن يكون أحد محاورها.
لكن ذلك لن يتحقق تلقائيًا. فالمنافسة الإقليمية قوية، والموانئ الأخرى تعمل باستمرار على رفع الإنتاجية وجذب الخطوط الملاحية وتوسيع الخدمات اللوجستية وربط البحر بالبر والمناطق الصناعية. ولهذا فإن نجاح العقبة لن يعتمد فقط على قدرتها على استقبال السفن، بل على قدرتها على خلق قيمة مضافة بعد وصول السفينة.
وهنا تبرز أهمية المستودعات ومراكز التوزيع والتخزين وإعادة التصدير، والتعبئة، والتغليف، والتجميع. فلماذا يجب أن تصل البضاعة إلى العقبة ثم تغادر مباشرة إلى وجهتها النهائية؟
لماذا لا يتم تخزين جزء منها في المملكة؟ ولماذا لا تصبح العقبة مركزًا للتجميع وإعادة التصدير والتوزيع نحو العراق وسوريا والأسواق الخليجية؟
هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تنقل العقبة من ممر للبضائع إلى مركز لصناعة الخدمات اللوجستية.
وهناك عامل آخر لا يقل أهمية: السكك الحديدية. فإذا كانت الطرق البرية هي الحل الأسرع للاستجابة للطلب الحالي، فإن السكك الحديدية تمثل إحدى الأدوات الأساسية لبناء القدرة التنافسية طويلة الأمد.
ومشروع سكة حديد العقبة، الذي دخل مرحلة التنفيذ من خلال شراكة أردنية إماراتية بقيمة تقارب 2.3 مليار دولار، يمكن أن يشكل مستقبلًا عنصرًا مهمًا في ربط الميناء بالمراكز الصناعية ومصادر البضائع والأسواق الداخلية، ورفع قدرة المملكة على نقل كميات أكبر بكلفة أكثر تنافسية. لكن الأهم هو النظر إلى السكك الحديدية باعتبارها جزءًا من شبكة نقل متعددة الوسائط تجمع البحر والسكك والطرق والمناطق اللوجستية والمعابر الحدودية.
وهنا تصبح الجغرافيا الأردنية ميزة اقتصادية حقيقية. فالعقبة تقع على البحر الأحمر، والأردن يمتلك شبكة طرق تربطه بالعراق وسوريا والسعودية، ويسعى إلى تطوير منظومة نقل متعددة الوسائط تجعل العقبة بوابة للأسواق الإقليمية.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس فقط زيادة عدد الأرصفة أو الساحات، وإنما إدارة الممر اللوجستي بأكمله. فإذا ازدادت الحاويات في العقبة ثم انتظرت الشاحنات ساعات طويلة، فقدنا جزءًا من الميزة.
وإذا خرجت الشاحنات من العقبة ثم واجهت إجراءات طويلة على الحدود، فقدنا جزءًا آخر. وإذا لم تتوافر المستودعات والخدمات اللوجستية، بقيت القيمة الاقتصادية محدودة.
ولهذا يجب أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة الربط والتكامل:
ربط الميناء بالحدود، وربط الجمارك بالميناء، وربط شركات الملاحة بالناقلين، وربط المستودعات بالأسواق، وربط البيانات بحركة البضائع. فالوقت أصبح عنصرًا أساسيًا في المنافسة. التاجر لا يهتم فقط بتكلفة نقل الحاوية، بل بموعد وصولها، وقدرته على التنبؤ به، وثقته بأن هذا الموعد لن يتغير باستمرار.
ومن هنا، فإن تقليل زمن المكوث في الميناء، وتسريع التخليص، وتنظيم حركة الشاحنات، وتحسين إدارة الحاويات الفارغة، ليست إجراءات تشغيلية بسيطة؛ إنها عناصر أساسية في القدرة التنافسية الوطنية.
كما أن الأردن بحاجة إلى رؤية متكاملة للممر اللوجستي العقبة–العراق–سوريا–الخليج، تنظر إلى هذه الأسواق كمجموعة مترابطة، وتحدد احتياجات البنية التحتية والطاقة الاستيعابية والإجراءات الجمركية ومراكز التخزين والتوزيع، وتعزز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ومن المهم أيضًا أن ينتقل التنسيق مع العراق وسوريا ودول الخليج من معالجة حركة الشاحنات يومًا بيوم إلى بناء اتفاقات تشغيلية وتجارية ولوجستية طويلة الأمد، تسهل حركة البضائع وتقلل زمن العبور وتمنح الشركات والمستوردين درجة أعلى من اليقين.
وهنا يجب ألا ننظر إلى هذه الدول فقط كأسواق للترانزيت، وإنما كشركاء محتملين في منظومة إقليمية متكاملة.
فالعقبة يمكن أن تكون بوابة بحرية على البحر الأحمر، والعراق سوقًا وممرًا نحو الشرق، وسوريا بوابة نحو البحر المتوسط والأسواق الشمالية، فيما تشكل دول الخليج أسواقًا ومصادر للبضائع والاستثمارات ومراكز رئيسية للتجارة وإعادة التصدير.
وعندها لا تعود المسألة مجرد نقل حاوية من ميناء إلى سوق، بل تصبح ممرًا تجاريًا إقليميًا متعدد الاتجاهات تتحرك من خلاله البضائع بين البحر الأحمر والمشرق العربي والخليج. لقد اعتدنا في الأردن أن نتعامل مع الأزمات بمنطق الاستجابة.
لكن الفرصة الحالية تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الفرصة. الأزمة الإقليمية دفعت جزءًا من حركة التجارة إلى العقبة.
أما مسؤوليتنا فهي أن نجعل جزءًا من هذه الحركة يختار العقبة حتى عندما تتغير الظروف. فالهدف الحقيقي يجب أن يكون أن تصبح العقبة، أثناء الأزمة وبعدها، خيارًا آمنًا وموثوقًا وتنافسيا للبضائع المتجهة إلى العراق وسوريا والأسواق الخليجية أو القادمة منها.
فإذا انتهت الأزمة، يجب ألا تنتهي الفرصة. وإذا عادت بعض المسارات التقليدية، يجب ألا تعود معها كل البضائع تلقائيًا.
وإذا انخفضت المخاطر، يجب أن تكون العقبة قد أصبحت خيارًا تنافسيًا بحد ذاتها، لا مجرد بديل اضطراري. الأزمة قد تجذب البضاعة إلى العقبة، لكن الكفاءة هي التي تجعلها تعود، والموثوقية هي التي تجعلها تستمر، والرؤية هي التي تحولها إلى مركز إقليمي. لقد فتحت الأزمة الإقليمية نافذة أمام العقبة. لكن النوافذ لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.
وما سيحدد مستقبل العقبة لن يكون حجم الحركة التي مرت عبرها أثناء الأزمة، وإنما ما الذي سنبنيه اليوم من قدرات وبنية تحتية وخدمات وشراكات حتى تبقى هذه الحركة بعد انتهاء الأزمة.
إن الفرصة ليست في زيادة أعداد الحاويات والبضائع فحسب. إنها فرصة لأن تنتقل العقبة من ميناء يخدم التجارة الأردنية إلى مركز إقليمي لسلاسل الإمداد، وبوابة للأسواق، ومركز للخدمات اللوجستية، وجزء أساسي من شبكة التجارة الإقليمية. فالظرف الإقليمي هو الذي فتح الباب أمام العقبة، لكن ما سنفعله اليوم هو الذي سيحدد ما إذا كانت ستبقى خلف هذا الباب لسنوات قادمة.
وهذه ليست فرصة للعقبة وحدها؛ إنها فرصة لإعادة تعريف موقع الأردن نفسه على خريطة التجارة الإقليمية.

