الدعم الأوروبي للأردن والاندماج الإقليمي: التنمية بوصفها أداة لحماية إسرائيل

4 د للقراءة
4 د للقراءة
الدعم الأوروبي للأردن والاندماج الإقليمي: التنمية بوصفها أداة لحماية إسرائيل

صراحة نيوز- د.عبدالفتاح طوقان

تتجاوز المساعدات الأوروبية المقدمة للأردن حدود الدعم الاقتصادي المباشر، إذ ترتبط بمشروع سياسي وأمني أوسع يهدف إلى تثبيت استقرار المملكة وإدماجها في منظومة إقليمية جديدة. وقد بلغت حزمة الدعم الأوروبية المعلنة نحو 3 مليارات يورو تشمل مساعدات مالية وأدوات تمويل واستثمار، إضافة إلى نحو 1.4 مليار يورو من أدوات التمويل الأوروبية المخصصة للمشاريع العامة والخاصة.

وتُقدَّم هذه الأموال تحت عناوين التنمية الاقتصادية، ودعم الإصلاحات، وتحسين البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، لكنها تؤدي في الوقت نفسه وظيفة سياسية واضحة. فالأردن يحتل موقعاً جغرافياً حساساً بين فلسطين وسوريا والعراق والسعودية، ويُنظر إليه بوصفه دولة محورية في ضبط الحدود، وإدارة ملف اللاجئين، والحد من تداعيات الأزمات الإقليمية. ولذلك فإن دعم اقتصاده لا ينفصل عن الرغبة الأوروبية في الحفاظ على استقراره، ومنع انتقال الاضطرابات إلى دول الجوار وإلى إسرائيل.

ويكتسب مفهوم الدمج الإقليمي أهمية خاصة في هذا السياق. فالدمج لا يعني فقط زيادة التجارة أو إقامة مشاريع مشتركة، بل يشير إلى إنشاء شبكة مترابطة من المصالح في مجالات الطاقة والمياه والنقل والاتصالات والأمن والاستثمار. ومن خلال هذه الشبكة يصبح الأردن جزءاً من منظومة اقتصادية وسياسية تتجاوز حدوده الوطنية، وتربطه بالمؤسسات الأوروبية والدول العربية وإسرائيل في آن واحد.

وتشمل هذه الرؤية مشاريع الربط الكهربائي، ونقل الطاقة، وممرات التجارة، وتطوير الطرق والموانئ، والتعاون في مجال المياه، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية. وعلى الرغم من طرح هذه المشاريع بوصفها وسائل لتحقيق النمو، فإنها قد تؤدي عملياً إلى جعل التعاون مع إسرائيل جزءاً من الحياة الاقتصادية اليومية للدول العربية، بحيث يتحول التطبيع من قرار سياسي معلن إلى واقع اقتصادي تدريجي تفرضه المصالح والشبكات الإقليمية.

ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن “الاندماج الإقليمي” قد يخفي هدفاً أوسع يتمثل في “إعادة ترتيب المنطقة بما يضمن قبول إسرائيل ودمجها في محيطها العربي “. فبدلاً من أن تبقى إسرائيل كياناً معزولاً بسبب الاحتلال والسياسات التوسعية، يجري تقديمها باعتبارها شريكاً في الطاقة والمياه والتجارة والأمن. ويُراد لهذا المسار أن يجعل العلاقات معها طبيعية ومعتادة، رغم استمرار الاحتلال وغياب الحل العادل للقضية الفلسطينية.

كما يؤدي دعم الأردن دوراً مهماً في حماية هذا الترتيب. فاستقرار المملكة ضروري لاستمرار مشاريع الربط الإقليمي، وضبط الحدود، وإدارة تدفقات اللاجئين، ومنع انتقال الأزمات إلى دول المنطقة. وكلما ازدادت حاجة الأردن إلى التمويل الخارجي، ازداد احتمال ارتباط سياساته الاقتصادية بشروط وأولويات الجهات المانحة، بما فيها المشاركة في مشاريع إقليمية قد تخدم المصالح الإسرائيلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لذلك تبرز أهمية الوعي العام بأسباب الدعم الأوروبي وشروطه المعلنة وغير المعلنة وأهدافه بعيدة المدى . فالمساعدات ليست أموالاً محايدة تماماً، بل ترتبط عادةً بإصلاحات اقتصادية وسياسية، وبإعادة توجيه العلاقات التجارية والاستثمارية، وبإدماج الدولة في ترتيبات إقليمية محددة. ومن الضروري أن تخضع هذه الاتفاقات لنقاش وطني واضح، وأن تُعلن تفاصيلها للرأي العام، حتى لا تتحول الحاجة الاقتصادية إلى وسيلة للارتهان السياسي أو التنازل عن القرار الوطني.

والتعامل الصحيح مع الدعم الخارجي لا يعني رفضه بصورة مطلقة، بل يعني توظيفه بما يخدم الاقتصاد الأردني ويحافظ على السيادة والهوية الوطنية. ويتطلب ذلك تنويع مصادر التمويل، وحماية القطاعات الاستراتيجية، ورفض أي مشروع يفرض التطبيع أو يجعل الأردن أداة لتسهيل التواصل العربي–الإسرائيلي، أو يمهّد لمشاركة إسرائيل في المجتمعات العربية عموماً والأردنية خصوصاً.

وعليه، فإن المطلوب هو الاستفادة من الدعم الأوروبي دون السماح بتحويل الأردن إلى جسر لتطبيع الاحتلال أو إلى جزء تابع من منظومة إقليمية تُبنى على حساب الحقوق الفلسطينية والقرار الوطني الأردني.

aftoukan@yahoo.com

شارك هذا المقال