أبو غنيمة: لا تخسروا أصحاب الرأي يا مراكز القرار.. الإقليم يشتعل وجبهتنا الداخلية هي الضمانة!
أبو غنيمة: أعطوا الفلاتر السياسية إجازة.. الوطن لا يحتمل الإقصاء
صراحة نيوز – بقلم الدكتور أحمد زياد أبو غنيمة
ظاهرة مقلقة ومحزنة بدأت ألاحظها مؤخراً؛ وتتمثل في إعلان ذوات وقامات وطنية وقانونية ونقابية وازنة قرارهم بالعزوف عن الكتابة وإبداء الرأي في الشأن العام؛ والسبب باختصار وبكل مرارة: “لا أحد من المسؤولين يهتم أو يقرأ”!!
وقد يكون خلف هؤلاء الذين أعلنوا موقفهم صراحة، عشرات بل مئات من أصحاب الرأي والخبرات المتراكمة في مجالات عديدة، ممن اتخذوا ذات القرار بالانسحاب الصامت ولنفس السبب الذي أعلنه غيرهم.
****
قد يبدو هذا الأمر في ظاهره مريحاً لبعض دوائر ومراكز القرار؛ إذ قد يعتقدون من وجهة نظرهم أنهم تخلصوا من “صداع” كان يشكله هؤلاء بآرائهم الناقدة والناصحة؛ ولكن، وفي ظل الظروف الإقليمية الملتهبة والأحداث المتسارعة التي تحيط بوطننا من كل جانب، يُعد هذا الانسحاب مؤشراً سلبياً وخطيراً على مراكز القرار أن تتنبه له قبل الشعب؛ فالتحديات الكبرى التي تعصف بالمنطقة لا تحتمل إقصاءً أو تهميشاً لأي صوت وطني مخلص.
****
إن غياب أصحاب الرأي والخبرة والمشورة عن الإدلاء بآرائهم؛ يحرم الدولة ومراكز صنع القرار من الاستماع لآراء عميقة ومختلفة عن “الرواية الرسمية” التي غالباً ما يُعبر عنها أشخاص قد لا “يهضمهم” الشارع أو يثق بهم حين يتصدرون الشاشات ووسائل الإعلام، فكم من رأيٍ حصيفٍ آثر صاحبه الصمت والابتعاد، كان يحمل في طياته طوق النجاة للوطن، وكم من مشورةٍ وطنية صادقة غُيّبت عن طاولات القرار، كانت لتشكل الدرع الحصين وصمام الأمان الذي نلوذ به حين تعصف بنا الأزمات وتشتد المحن.
****
وما دام أن جلالة الملك في خطابه الأخير في الأمم المتحدة قد حسم الأمر، وحدد بكل وضوح وصراحة من هو العدو الذي يتربص بنا ويهدد مصالحنا وأمننا القومي والمائي؛ فإن هذا الموقف الحازم يجعل من الواجب المحتوم ألا يُحرم أصحاب القرار من الاستماع لكل رأي أو مشورة تصب في خندق ما أعلنه جلالة الملك، وتدعم الموقف الأردني في مواجهة هذا التهديد الوجودي.
لذلك، ومن منطلق الحرص والخوف على هذا الوطن، أدعو مراكز القرار في الدولة إلى وقفة مراجعة جادة؛ تتخلى فيها عن سياسة اعتماد “الرأي الواحد”، وتبدأ فوراً بفتح قنوات الحوار والتواصل من خلال وسائل الإعلام ومختلف المنابر مع كافة أصحاب الآراء والتوجهات.
****
ولعل الخطوة الأولى والأكثر إلحاحاً لترجمة هذا الانفتاح، تتمثل في ضرورة إعطاء “الفلاتر الأمنية والسياسية” إجازة قسرية وعاجلة؛ فهذه المرحلة الاستثنائية الدقيقة من عمر الوطن والمنطقة لا تحتمل ترف الإقصاء، أو التمسك بحسابات ضيقة مبنية على تصنيفات وهواجس عفا عليها الزمن.
إن عبور وطننا الغالي لآتون هذه العواصف بسلام، يتطلب إفساح المجال لكل العقول والأصوات الوطنية المخلصة دون تمييز، فالتحديات الوجودية اليوم أضخم من كل الفلاتر والمحددات السابقة، والوطن بحاجة ماسة إلى جميع أبنائه دون استثناء لتشكيل درعه الواقي وسده المنيع.
****
إن تمتين الجبهة الداخلية الأردنية اليوم لم يعد ترفاً، بل هو فريضة وطنية وضرورة بقاء تستدعي الانفتاح الحقيقي على الجميع، ليكون الأردنيون – بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم- صفاً واحداً وبنياناً مرصوصاً قادراً على مواجهة التحديات العاتية التي تتربص بنا؛ فالأوطان تُبنى بسواعد وعقول جميع أبنائها، وتُحمى بجبهة داخلية متماسكة لا مجال فيها للفرقة أو الإقصاء.
****
أضع هذه النصيحة الخالصة بين يدي مراكز القرار؛ استمراراً لنهج ومدرسة معلمي الأول، والدي الحبيب – رحمه الله -، الذي غرس فينا أمانة الكلمة، والتمسك بخطابنا الوطني الصادق مهما قست ظروف الإقصاء أو طالت سنوات التهميش؛ ففي نهاية المطاف.. الوطن خيمتنا الكبرى وهو لنا جميعاً، يتسع لكل أبنائه، ويحتاج إليهم جميعاً.
والله من وراء القصد….

