كتب المحامي عماد محمد القطامين:
لم تكن الحادثة الإرهابية التي استهدفت كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك مجرد اعتداء على مكان للعبادة، بل كانت اعتداءً على الأردن بأكمله، وعلى قيمه الوطنية والإنسانية، وعلى تاريخ من التعايش والمحبة بين أبناء الشعب الأردني الواحد.
إن استهداف الأبرياء في دور العبادة جريمة مرفوضة بكل المقاييس، لا يمكن تبريرها بأي فكر أو عقيدة أو ذريعة، وهي تكشف عن الوجه الحقيقي للتطرف الذي لا يستهدف فئة بعينها، بل يسعى إلى بث الخوف والفرقة وزعزعة أمن المجتمع واستقراره.
وقد عكس الموقف الأردني في التعامل مع هذه الجريمة ثبات الدولة وحزمها في مواجهة الإرهاب، والتزامها بملاحقة المتورطين وتقديمهم إلى العدالة. وجاء موقف جلالة الملك عبدالله الثاني واضحاً وحاسماً، من خلال إدانته الشديدة لهذا العمل الإرهابي، وترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي، وتأكيده أن أمن الأردنيين وسلامتهم خط أحمر، وأنه لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواحهم، مع التشديد على محاسبة كل من يثبت تورطه أو دعمه لهذه الجريمة وفق أحكام القانون.
ولا يقل أهمية عن الحزم الأمني ما يمثله هذا الموقف من رسالة وطنية واضحة، مفادها أن الدولة الأردنية لن تسمح للإرهاب بأن ينال من وحدتنا الوطنية، أو أن يحوّل الاختلاف الديني إلى وسيلة للفتنة والانقسام. فالمسيحيون والمسلمون في الأردن ليسوا جماعات متجاورة فحسب، بل هم شركاء في الأرض والتاريخ والمصير، تجمعهم الهوية الأردنية وروابط المواطنة والانتماء.
كما أن الحضور الرسمي والشعبي في تشييع الشهداء، ومواساة ذويهم، والتضامن مع المصابين، يؤكد أن الوجع واحد، وأن الاعتداء على أي أردني هو اعتداء على جميع الأردنيين، بصرف النظر عن دينه أو منطقته أو خلفيته الاجتماعية.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي الوقوف صفاً واحداً خلف مؤسسات الدولة، وترك التحقيق يأخذ مجراه القانوني، والابتعاد عن الشائعات وخطاب الكراهية وكل ما من شأنه تأجيج الفتنة. فمواجهة الإرهاب لا تكون بالقوة الأمنية وحدها، بل كذلك بترسيخ سيادة القانون، ومكافحة الفكر المتطرف، وحماية ثقافة التسامح والعيش المشترك.
ختاماً، ستبقى الكرك، كما عهدناها، جزءاً أصيلاً من وجدان الأردن وذاكرته الوطنية، وستبقى دماء الضحايا أمانة في أعناقنا جميعاً، ودافعاً لتعزيز وحدتنا وصون وطننا. إن الأردن الذي واجه التحديات بثبات لن تسمح له إرادة أبنائه بأن تنال منه رصاصات الغدر، وسيبقى وطن الكرامة والأمن والتآخي، تحت ظل قيادته الهاشمية الحكيمة.
رحم الله الشهداء، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن وشعبه من كل سوء.

