صراحة نيوز – كتبت: د. منى النحلاوي – كيف تتحول الكلمات التي نسمعها إلى أفكار نؤمن بها؟ وكيف يمكن لخطاب يروّج للتشدد والطائفية أن ينتقل من مجرد كلمات عابرة إلى قناعة تحدد موقفنا من الآخرين؟
لا تبدأ القناعات دائما من تجربة شخصية أو معرفة نصل إليها بأنفسنا، فقد تبدأ بفكرة نسمعها من الأسرة، أو نتلقاها من المجتمع، أو تتكرر أمامنا عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.( ومع مرور الوقت)، قد تألفها عقولنا، فنشعر بأنها مألوفة، ثم نخلط بين ألفتها وصحتها.
وتزداد قوة الفكرة حين ترتبط بمشاعرنا؛ بالخوف أوالغضب أوالانتماء، وايضا حين تقدم لنا تفسيرا بسيطا لقضايا معقدة، أو تحدد لنا من نثق به ومن ينبغي أن نحذر منه. عندها لا تعود الكلمات مجرد معلومات نتلقاها، لكن قد تتحول إلى عدسة نرى من خلالها العالم والآخرين.
وفي الخطابات التي تغذي التشدد والطائفية، قد يجري رسم حدود حادة بين (نحن) و(هم)، وتُختزل الجماعات المختلفة في صفات وأحكام عامة. ومع التكرار، وغياب السؤال، وغياب الرقابة، وانتقاء المعلومات التي تؤيد ما نعتقده مسبقا، يمكن أن تترسخ الصور النمطية، حتى لو لم تستند إلى معرفة حقيقية بأصحابها.
وهنا يظهر الفرق بين أن نستمع إلى فكرة وأن نمنحها تصديقنا. فالإنصات يتيح لنا الفهم، لكنه لا يعفينا من الفحص، والتأثر لا يجعل الفكرة صحيحة، وشيوع الاعتقاد لا يثبت بالضرورة صدقه.
فالقناعات ليست جميعها نتاج تضليل؛ ولكن كثير منها يتشكل عبر المعرفة والتجربة والتفكير. وهنا الخطر المؤكد يبدأ حين نغلق باب المراجعة، ونمنح أفكارنا حصانة من النقد، ونفسر كل معلومة جديدة بما يؤكد ما نؤمن به، بدلا من أن نسمح للأدلة بأن تصحح أحكامنا.
فإذا كانت الكلمات قادرة على التأثير في وعينا، فمسؤوليتنا لا تقتصر على اختيار ما نستمع إليه، لكن تمتد إلى مساءلة ما نصدقه: من أين جاءت هذه الفكرة؟ ما الدليل عليها وهنا ياتي البحث ؟ هل تنطبق على الواقع، أم أنها تعميم صنعه الخوف أو التعصب؟ وهل نحكم على الإنسان من خلال تجربتنا معه، أم من خلال صورة رسمت لنا عنه؟
إن الوعي النقدي لا يطلب منا أن نشك في كل شيء، بل أن نميز بين الاعتقاد الذي يستند إلى المعرفة والاعتقاد الذي يستمد قوته من التكرار والانفعال والانتماء.
فليس كل ما نسمعه حقيقة، وليس كل ما نألفه صوابا، وليس كل ما نؤمن به قد اخترناه بعد تفكير.
وربما يبدأ تحررنا الفكري حين نتوقف عن سؤال أنفسنا: لماذا يختلف الآخرون عما نؤمن به؟ ونبدأ بسؤال أكثر أهمية: كيف تشكلت قناعاتنا نحن، وهل ما زلنا نملك الشجاعة لمراجعتها؟

