السردية الأردنية في عيون الرحالة: من ريشة المستكشف إلى عدسات “اليوتيوب”

4 د للقراءة
4 د للقراءة
السردية الأردنية في عيون الرحالة: من ريشة المستكشف إلى عدسات "اليوتيوب"

صراحة نيوز –  بقلم : مرح الشلول

إنَّ الجغرافيا الأردنية لم تكن يوماً تشغل حيزًا هامشيًّا في خارطة المشرق العربي، وإنما كانت على الدوام قصيداً قائماً بذاته، وفصلاً جوهرياً من فصول الحضارة الإنسانية وتاريخ المنطقة. فمنذ أن جالت ريشة المستكشفين القدامى بين شعابها، وصولاً إلى عدسات صنّاع المحتوى المعاصرين في الفضاء الرقمي الشاسع، ظلت الأرض الأردنية مادَّة ثرية للاستكشاف، ومحط أنظار الرحالة الذين أسهموا عبر تدويناتهم وعدساتهم في صياغة وتوثيق “السردية الأردنية”، وتحويل المشاهدات العابرة إلى أرشيف تاريخي وبصري يحفظ هوية المكان وأصالة ثقافته.

 

لقد شكلت كتابات الرحالة القدامى وثيقة تاريخية استثنائية وثّقت تفاصيل الحياة اليوميَّة والمنظومة الأخلاقية للمجتمع الأردني، لا سيّما في فترات قلّت فيها المدوّنات المحليّة، ويتجلّى في هذا السياق المستشرق السويسري “جون لويس بيركهارت”، الذي لم يستطع إخفاء دهشته أمام كرم العشائر الأردنية، مدوناً عن أهل الكرك: “ما إن دخلت باب المدينة الشمالي حتّى تجمهر عليّ حشد كبير من أهل البلد المضياف، وكان كل واحدٍ منهم يستبق الآخر للإمساك بعِنان جوادي، والكل يريدني ضيفاً عنده“. ولم يقف التوثيق عند حد الأخلاق العربية الأصيلة، بل تعدى إلى كشف الستار عن كنوز الحضارة الأردنيَّة القديمة؛ إذ يقف اكتشاف بيركهارت للبترا عام 1812 م شاهداً على اندهاش الخيال الغربي بعظمة الأنباط، فكتب متأملاً: “لقد بدا لي أثر أثري يبدد كل وهم؛ مبنًى محفور في الصخر ومحمي من عوادي الزمن، يقف هناك بكامل جلاله ليدهش الناظر بجماله الأخّاذ وتفاصيله المتقنة“.

 

ولعل القراءة المتبصّرة لدوافع أولئك الرحالة تكشف أن كثيراً منهم لم يدفعهم الشغف السياحي، وإنّما مساعٍ استكشافية، أو رغبة في استقصاء الآثار التوراتيّة، أو حتى غايات مسحية لجمعيات ذات أبعاد سياسيّة. وكان المنظور السائد لدى بعضهم يختزل هذه المنطقة في صورة “صحراء قاحلة ومعزولة” وربّما بدائيّة؛ لكن سرعان ما تبدد الانطباع أمام الحقائق الماثلة أمام أنظارهم؛ إذ اكتشفوا أرضاً فريدة ومميزة عبرت فوقها الحضارات المتعاقبة، وكانت شرياناً رئيساً لتلاقي القوافل التجارية ومحوراً لالتقاء الثقافات.

 

ومع الثورة على وسائل التعبير والاتصالات والانتقال إلى العصر الرقمي، انتقلت السردية الأردنية من بطون الكتب وصفحات المذكرات القابعة بين الرفوف إلى شاشات العالم الكبير، فقد صارت عدسات الكاميرات الحديثة تنقل واقعاً حياً ومباشراً دون تزييف، وأصبحت آراء صناع المحتوى وتجاربهم البصريّة المرجع الأول للزائر قبل ارتحاله. وفي هذا السياق، تتجلى المبادرات الوطنية الواعية ــــــ كمبادرة استضافة المؤثرين وصناع المحتوى مثل جهاد حطّاب والتقائهم بسمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد ــــــ لتسلّط الضوء على مفهوم الاستثمار في الإعلام الجديد كأداة إستراتيجية لترويج المعالم الحضاريّة والسياحية، وإظهارالأردن كنموذج فريد إقليميّاً وعالماً يجمع بين أصالة التاريخ وروح الابتكار.

 

إن السردية الأردنية هي منار للطموح وبناء للمستقبل، كما أنَّ السعي لإبراز هذا التاريخ يورث الأجيال شعوراً بالمسؤولية الوطنية والاعتزاز بالذات؛ إذ يغدو كل مواطن يُسهم في نقل صورة وطنه المشرقة بمثابة غيمة معطاءة تمر على القلوب، فتترك وراءها سنابل أملٍ خضراء مليئة بالحياة، فالسردية لم تعد كما يظن كثيرون استذكارا لإنجازات الماضي … هي نقطة تعيد للأردني التعريف بنفسه وحضارته.

 

في النهاية، إنَّ كتابات وعدسات الرحالة عبر العصور لم تعدتوثيقا لجغرافيا صامتة، فقد صارت سجلاً كاملاً يكشف عن هوية حية وتنوع ثقافي وحضاري وطبيعي أسر قلوب كل من وطئت قدمه هذه المنطقة، ولهذا فإنَّ ما نعيشه اليوم ونوثقه بأيدينا (بالكتابة أو التصوير) سيكتب غداً صفحة جديدة في كتاب التاريخ الأردني الممتد؛ وعليه، فيجب علينا أن نكون حراس هذه السردية، وصنّاع فصلها الأبهى والأنظف.

شارك هذا المقال