صراحة نيوز – حسن محمد الزبن
حين يعلن الملك عبدالله الثاني، من موقعه الدستوري وهو صاحب القرار الأعلى في مؤسسة العرش والدولة، أن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً، فإن رسالته تتجاوز حدود التجريم والمحاسبة القضائية التقليدية، لتسلّط الضوء على خلل أعمق في جسد الدولة الأردنية، يتمثل في الترهل الإداري والبيروقراطية المتجذرة؛ فعلى مدى سنوات طويلة، تحولت بعض المناصب والوظائف العامة، في الذهنية البيروقراطية، من تكليف لخدمة الناس إلى امتياز يحتمي به المسؤول من المساءلة.
وقد أفرز هذا التحول بيئة تسمح بالتقاعس، وتمييع المسؤوليات، وتعطيل المشاريع الوطنية الكبرى. كما أسهم غياب المساءلة الفعلية، ووجود حصانة غير معلنة لبعض المواقع، في تبديد وعود التحديث الاقتصادي والخدمي، وإبقاء المواطن في دائرة الانتظار، من دون أثر ملموس في معيشته أو تعليمه أو صحته.
إن ترجمة النطق الملكي السامي إلى واقع عملي يعني، ببساطة، انتهاء زمن الاختباء خلف المسميات والألقاب؛ فهيبة الدولة لا تُصان بالنصوص وحدها، بل بتطبيقها بعدالة على الجميع، من دون استثناء، ومكافحة الترهل الإداري، وتبسيط الإجراءات، وتفكيك التعقيدات البيروقراطية، ليست ترفاً خدمياً، بل ركائز أساسية لدولة المؤسسات التي تضع مصلحة المواطن في صميم قراراتها.
أما الاختبار الحقيقي أمام الحكومة والبرلمان اليوم، فيكمن في تحويل هذا الحسم الملكي إلى ثقافة عمل يومية وإجراءات واضحة ومعلنة؛ فالجهة التي تملك الصلاحية يجب أن تتحمل مسؤولية النتائج، ومن يثبت تقصيره أو تعطيله لمصالح الناس والمشاريع الاستراتيجية، مهما كان اسمه أو وزنه الاجتماعي، يجب أن يخضع للمساءلة، وصولاً إلى العزل وفق القانون. ومن دون هذا الحزم المؤسسي، ستظل خطط الإصلاح مكبلة بأغلال البيروقراطية، وستبقى الثقة بين المواطن والمؤسسات رهينة الوعود المؤجلة.
في المشهد السياسي الأردني، لا تُقرأ خطابات العرش بوصفها إجراءً دستورياً بروتوكولياً عابراً، بل باعتبارها تحديداً دورياً لخطوط السيادة الحمراء وإعادة ترتيب لأولويات الأمن القومي، غير أن الخطاب الأخير للملك عبد الله الثاني حمل مقاربة مختلفة؛ إذ نقل قضايا حيوية، مثل المياه ونزاهة الوظيفة العامة، من إطارها الإداري والخدمي التقليدي إلى مرتبة توازي الدفاع العسكري وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهة الإرهاب والتطرف، وهذا التوجه الاستراتيجي يضع السلطتين التنفيذية والتشريعية أمام اختبار الشارع، الذي سئم كثرة البرامج، وبات يطالب بأثر ملموس في تفاصيل حياته اليومية.
ولم يكن تكرار الملك كلمة المياه ثلاث مرات مجرد تأكيد لغوي عابر؛ ففي قراءة الخطاب، يعكس هذا التكرار استشعاراً رسمياً لتهديد استراتيجي ملحّ يمس بنية الدولة واستقرارها. وقد صاغ الملك هذا التهديد بعبارة حاسمة: أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، فلا مجال للمساومة أو المهادنة فيه، ويعيد هذا المقطع رسم حدود مفهوم السيادة الوطنية؛ فالأردن، المصنف مائياً ثاني أفقر دولة في العالم، ينظر إلى تأمين قطرة الماء، عبر مشاريع كبرى كالناقل الوطني وخطط استباقية، بوصفه معركة سيادية لا يجوز أن تخضع للتقلبات الجيوسياسية أو للابتزاز من أي طرف إقليمي.
وقد تزامن هذا التوجه نحو تعزيز المنعة المائية مع محاور أخرى في الخطاب لا تقل أهمية وخطورة عن:
– الأمن العسكري والمجتمعي: باستذكار مواجهة الفكر المتطرف ودماء شهداء الكرك بوصفها عهداً لا يُنسى، والتأكيد أن الجبهة الداخلية الموحدة هي خط الدفاع الأول.
– سيادة القانون ونزاهة الوظيفة العامة: بالتأكيد أن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً.
ويكفي أن الملك عبدالله الثاني، المتابع لواقع حياة المواطن الأردني، أكد من على المنصة البرلمانية أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه، فالتنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه، وهذا الإقرار الضمني يضع الإصبع على الجرح؛ فالشارع الأردني لم يعد يثق بمراسم الإعلان عن خطط التحديث الاقتصادي، ولا بالوعود البراقة التي تطلقها الحكومات المتعاقبة، بل بات ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على تفاصيل حياته اليومية. فالإشكالية التاريخية لم تكن يوماً في غياب الرؤى، وإنما في غياب كشوف حساب سنوية وعلنية توضح للمواطن ما تحقق من الوعود، وما تعثر منها، ومن يتحمل مسؤولية تعطيل المشاريع الاستراتيجية.
الواقع يشيرإلى أن الأجهزة الحكومية تواجه عقبات جوهرية متجذرة في بنية البيروقراطية نفسها؛ إذ يؤدي تداخل الصلاحيات والاختصاصات بين الوزارات والمؤسسات الرسمية إلى ما يمكن تسميته تمييع المسؤولية؛ فعند وقوع تقصير أو تأخير في مشاريع حيوية تتصل بالأمن المائي أو الاستثمار، يسهل تبادل الاتهامات والتنصل من المسؤولية، وفوق ذلك، تجد قوى النفوذ التقليدية وأصحاب المصالح الخاصة في تداخل الأدوار وبطء التنفيذ مساحة مريحة لتعطيل قرارات التحديث السياسي والاقتصادي التي قد تهدد امتيازاتهم.
ولمعالجة هذه المعضلة، وجّه الملك خطاباً صريحاً إلى نواب الأمة وأعيانها، مذكّراً إياهم بأن شرعية التمثيل لم تعد كافية ما لم تقترن بشرعية الإنجاز والرقابة الفاعلة؛ فالمواطن اليوم لا يريد البرلمان منبراً للمناكفات الشعبوية والخطابات الإنشائية، بل شريكاً رقابياً حقيقياً يتابع أداء الحكومة، ويسائلها عن أسباب تأخر المشاريع، ويحول دون تحوّل القوانين إلى أدوات تفرغ قرارات الإصلاح من مضمونها.
وفي هذا السياق، يجدر التذكير بعالم الإدارة الفرنسي الشهير هنري فايول، الذي أكد في بدايات القرن العشرين ضرورة التلازم بين السلطة والمسؤولية؛ فلا يجوز تحميل الموظف مسؤولية من دون منحه الصلاحيات الكافية لأدائها، كما لا يجوز منحه صلاحيات واسعة من دون إخضاعه للمساءلة والمحاسبة. ومن هنا، تبرز ضرورة تكريس مبدأ تكافؤ السلطة والمسؤولية، الذي يمكن تلخيصه بعبارة: “لا مسؤولية بلا صلاحية، ولا صلاحية بلا مساءلة”.
وعليه، فإن نجاح الدولة الأردنية في حماية أمنها المائي ومستقبل أجيالها يتطلب ترجمة الخطاب الملكي وتوجيهاته إلى إجراءات عملية تضع أصحاب القرار أمام اختبار حقيقي لتحمل مسؤولياتهم، كما يتطلب أن تبادر الحكومة والبرلمان، كلٌّ في نطاق اختصاصه، إلى تقديم كشف حساب علني وشفاف يجيب الأردنيين بوضوح عمّا أُنجز فعلياً على أرض الواقع، وما تعثر وأسباب تعثره، مع محاسبة كل من يثبت تقصيره، وصولاً إلى العزل حين يستوجب الأمر.
ومن دون هذا الوضوح المؤسسي، ستبقى المشاريع السيادية مكبّلة بأغلال البيروقراطية، وستظل قطرة الماء رهينة الظروف، ولا ثمرةً لكفاءة الإدارة الوطنية.

