العطاء الذي يرهق الروح: حين يتحول الإيثار إلى استنزاف خفي

2 د للقراءة
2 د للقراءة
العطاء الذي يرهق الروح: حين يتحول الإيثار إلى استنزاف خفي

صراحة نيوز – بقلم: د. منى النحلاوي

العطاء قيمة إنسانية وأخلاقية سامية، وهو يتجاوز حدود المادة ليصبح تعبيراً عن الرحمة والتعاطف والانتماء للآخرين. ومن أجمل صوره “العطاء الخفي” الذي يُقدَّم دون انتظار مقابل أو ثناء، نابعاً من قلب صادق خالٍ من الأنانية.

لكن هذا التدفق الإنساني قد يحمل في طياته جانباً آخر حين يفقد توازنه. فالعطاء فضيلة، لكنه قد يتحول إلى عبء عندما يصبح واجباً إجبارياً يفرضه الإنسان على نفسه، أو عندما يضع احتياجات الآخرين دائماً قبل احتياجاته.

وقد أشار الفيلسوف أرسطو إلى أن الكرم الحقيقي لا ينفصل عن الحكمة، فالعطاء ليس إنفاقاً بلا حدود، بل سلوكاً أخلاقياً يقوم على التوازن. فالعلاقات الإنسانية السليمة تحتاج إلى الأخذ والعطاء معاً، لا إلى طرف يمنح باستمرار وآخر يكتفي بالأخذ.

وفي علم النفس ظهر ما يُعرف بـ”احتراق الإيثار” و”إجهاد التعاطف”، وهي حالات تصيب الأشخاص الذين يعجزون عن قول كلمة “لا”، فيستنزفون طاقتهم وصحتهم ومشاعرهم سعياً لإرضاء الآخرين أو خوفاً من فقدانهم.

ومع مرور الوقت قد يجد الإنسان نفسه محاصراً بعلاقات تقوم على الأخذ فقط، فيتحول العطاء من وسيلة لبناء الروابط إلى باب للاستغلال والإنهاك العاطفي. فالنفس البشرية تحتاج، كما تعطي، إلى التقدير والدعم والشعور بقيمتها.

إن حماية الذات ليست أنانية، بل ضرورة. فالعطاء الذي يستنزف صاحبه يفقد معناه، والروح المرهقة لن تستطيع مواصلة العطاء للآخرين أو حتى لنفسها. لذلك يبقى التوازن ووضع الحدود النفسية الصحية صمام الأمان الذي يحفظ الإنسان وعلاقاته معاً.

وسؤالي لكم:-
هل مررتم بتجربة شعرتم فيها أن عطاءكم تحول إلى استنزاف خفي؟ وهل ترون أن كلمة “لا” قد تكون أحياناً ضرورة لحماية الروح؟

باحثة في القضايا الاجتماعية

شارك هذا المقال