الكاميرا التي زرعوها في رأسك….

5 د للقراءة
5 د للقراءة
الكاميرا التي زرعوها في رأسك....

صراحة نيوز- د. منى النحلاوي

السلطة والمجتمع لا يحتاجان دائماً إلى تشغيل الكاميرات، بل يكفي أن يقنعاك بأنها تعمل.

ليست أخطر أشكال الرقابة تلك التي تُعلّق على الجدران أو تُثبت في زوايا الشوارع، بل تلك التي تُزرع بصمت داخل رؤوسنا. رقابة لا تحتاج إلى شرطي ولا إلى كاميرا حقيقية، بل يكفي أن نؤمن أن هناك من يرانا دائماً، فيتحول الخوف إلى حارس داخلي، وتتحول الطاعة إلى عادة، ويصبح الامتثال جزءاً من تكويننا النفسي والاجتماعي.

إن مفهوم العقل المقيد والعقل الحر يعبر عن صراع فكري عميق داخل أغلب المجتمعات. فالعقل المقيد هو الوجه الأبرز للعقلية الروتينية؛ يفضل الأمان والاستقرار ضمن نمط متكرر، بعيداً عن المخاطرة أو التطوير الذاتي. أما العقل الحر فهو عقل مبادر ومرن، يبحث عن التطور المستمر، ويؤمن بأن الأفكار والمعتقدات ليست حقائق مطلقة، بل قابلة للنقاش والمراجعة والتحديث.

لكن السؤال الأهم: كيف يتشكل هذا العقل المقيد؟ وكيف تتحول القيود إلى جزء من وعينا حتى نظنها من طبيعتنا؟

كم مرة حاولت أن تناقش مجتمعك في فكرة تراها خاطئة، فوجدت مقاومة شديدة لمجرد أنها تخالف ما اعتاده الناس؟ هذه المقاومة لا تأتي فقط من رفض الفكرة الجديدة، بل من خوف عميق من الخروج عن المألوف. فالعقل المقيد لا يرى في النمط السائد مجرد عادة، بل يراه ضمانة أمان، وسوراً يحميه من المجهول.

تبدأ هذه البرمجة منذ ما يمكن تسميته “المصنع الأسري”، حيث يمتزج الحب بالخوف، والرعاية بالحذر، فينشأ ما يشبه الأمان المزيف الذي يجعل الإنسان يفضل الامتثال على التجربة، والطاعة على المغامرة، والانسجام مع الجماعة على اختبار صوته الخاص. ثم تأتي المدرسة والجامعة والبيئة الاجتماعية لتكمل هذا التشكيل، فتغدو الطاعة فضيلة مطلقة، ويغدو السؤال المزعج نوعاً من التمرد غير المرغوب فيه.

ومع الزمن، لا يعود الإنسان بحاجة إلى من يراقبه فعلياً، لأنه يكون قد تعلّم كيف يراقب نفسه بنفسه.

وهنا نستحضر نموذج “البانوبتيكون” كما طرحه الفيلسوف ميشيل فوكو: تصميم لسجن دائري يتوسطه برج مراقبة، بحيث يكون السجين مكشوفاً باستمرار، بينما لا يستطيع رؤية الحارس. فيفترض السجين أنه مراقب في كل لحظة، ويلتزم بالقواعد حتى لو لم يكن هناك من يراقبه فعلياً.

استعار فوكو هذا النموذج ليشرح كيف تعمل السلطة الحديثة. فالفكرة ليست في وجود الرقيب دائماً، بل في اقتناع الإنسان بأنه مراقب. وهذا ما نراه في حياتنا اليومية؛ فالكثير من الكاميرات المنتشرة في الشوارع قد لا تكون جميعها تعمل، لكن مجرد الاعتقاد بأنها تعمل يجعل الناس أكثر التزاماً. إنه ذكاء نفسي يجعل الرقابة تنتقل من الخارج إلى الداخل، فيصبح الإنسان رقيباً على نفسه.

وهنا تكمن خطورة الأمر: فحين تنتقل السلطة إلى الداخل، لا يعود الإنسان محتاجاً إلى قيد ظاهر، لأنه يحمل القيد في رأسه، ويعيش تحت عين لا يراها لكنها تسكنه. فيراجع كلماته قبل أن يقولها، ويخاف من الفكرة قبل أن يختبرها، ويتراجع عن الاختلاف قبل أن يمنح نفسه فرصة التفكير الحر.

إن العقل المقيد يقتنع بالقوانين والقيود حتى وإن كانت غير منطقية، لأنها بالنسبة له ثوابت لا يجوز الاقتراب منها. أما العقل الحر فيتحرك بدافع الوعي الداخلي، ويبحث عن القيمة الحقيقية للفعل لا عن وجود الرقيب. إنه لا يرفض المجتمع، لكنه يرفض أن يتحول المجتمع إلى سلطة مغلقة على العقل، ولا يرفض القيم، لكنه يراجع ما إذا كانت هذه القيم حية وعادلة، أم مجرد ميراث من الخوف اعتدنا حمله دون مساءلة.

ومع ذلك، ربما لا يوجد عقل حر مطلق أو عقل مقيد مطلق، بل نحن جميعاً نتحرك بين درجات متفاوتة من الحرية والامتثال، بين ما نؤمن به فعلاً وما نخاف من مخالفته، بين ما اخترناه بوعينا وما ورثناه دون مراجعة.

عزيزي القارئ…

هل سألت نفسك يوماً: كم قراراً اتخذته لأنك تريده فعلاً، وكم قراراً اتخذته لأنك خفت من نظرة المجتمع أو من سلطة الفكرة السائدة؟
هل أنت من يراقب نفسه خوفاً من عيون لا تراه، أم أنك تملك الشجاعة لمراجعة ما ورثته من أفكار وقناعات؟

الكاميرا التي زرعوها في رأسك… هل حان وقت أن تسألها: هل أنتِ تعملين فعلاً؟

باحثة في القضايا الاجتماعية

شارك هذا المقال