صراحة نيوز – بقلم: د. ثابت المومني
تحوّل حساب “الجنرال إنسبكتور” خلال فترة وجيزة إلى ظاهرة رقمية لافتة في الأردن، بعدما نجح في استقطاب ملايين المتابعين عبر نشر وثائق وكتب رسمية تتناول ملفات إدارية ووظيفية ومالية تهم الرأي العام.
ولا يمكن فهم هذا الانتشار الواسع بمعزل عن تنامي اهتمام الأردنيين بقضايا الشفافية وتكافؤ الفرص وحق الوصول إلى المعلومات، إضافة إلى تزايد الإقبال على المحتوى الذي يستند إلى الوثيقة والدليل بدلاً من الخطابات العامة والتصريحات التقليدية.
لم يكن العامل الحاسم في صعود “الجنرال إنسبكتور” هو غموض هويته، بل طبيعة المادة التي يقدمها. فالمتابع الأردني لم يعد يكتفي بالروايات الرسمية، بل أصبح أكثر ميلاً إلى متابعة الوثائق والكتب الرسمية التي تحمل أرقاماً وتواريخ وأختاماً، باعتبارها أساساً لأي نقاش يتعلق بالشأن العام.
وقد ساهم الجدل الدائر حول التشريعات الناظمة للنشر الإلكتروني، وعلى رأسها قانون الجرائم الإلكترونية، في تعزيز حضور هذا النوع من الحسابات. إذ يرى منتقدون أن بعض نصوص القانون، أو طريقة تطبيقه، دفعت كثيراً من الصحفيين والإعلاميين والكتّاب والناشطين إلى توخي قدر أكبر من الحذر عند تناول قضايا الفساد المحتملة أو التجاوزات الإدارية، خشية التعرض للمساءلة القانونية.
وفي ظل هذا الواقع، اتجه جزء من الرأي العام إلى منصات بديلة يجد فيها مساحة أوسع لطرح الأسئلة ومتابعة الوثائق المتعلقة بملفات التوظيف والترقيات وإدارة المال العام والإجراءات الإدارية.
ويُعتقد أن “الجنرال إنسبكتور” يُدار من خارج الأردن، دون وجود معلومات مؤكدة حول هوية القائمين عليه أو أماكن وجودهم، وقد أسهم هذا الغموض، إلى جانب اعتماده على الوثائق الرسمية، في تعزيز حضوره وتأثيره.
ويرى متابعو الحساب أنه يسلط الضوء على شبهات فساد وتجاوزات إدارية ومالية محتملة، تتعلق بآليات التوظيف والترقيات وإدارة المال العام، وبممارسات يُعتقد أنها تتعارض مع مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص.
ولعل أبرز ما يميز هذه الظاهرة ليس فقط حجم المتابعين أو طبيعة الوثائق المنشورة، بل حجم الارتباك الذي يُعتقد أنها أحدثته داخل بعض الوزارات والمؤسسات والدوائر الرسمية.
فبحسب ما يتداوله موظفون ومتابعون، دفعت التسريبات المتكررة للوثائق الرسمية بعض الجهات إلى تشديد إجراءاتها المتعلقة بتداول المعلومات والوثائق، وتعزيز أنظمة الرقابة والمتابعة الإلكترونية، والتوسع في آليات التحقق من مصادر تسريب المعلومات.
ويرى منتقدون أن هذه الإجراءات، إن تجاوزت حدود حماية المعلومات المؤسسية إلى مراقبة الموظفين بصورة مفرطة أو خلق حالة من الشك المتبادل بينهم، فقد تسهم في إضعاف الشعور بالأمان الوظيفي، وتؤثر سلباً في بيئة العمل والثقة داخل المؤسسات.
وفي المقابل، يرى آخرون أن استمرار وصول وثائق تحمل أرقاماً وتواريخ وأختاماً رسمية إلى الحساب يعكس وجود خلل أعمق من مجرد تسريب المعلومات، يتمثل في الحاجة إلى تعزيز الشفافية والحوكمة وتكافؤ الفرص داخل بعض المؤسسات.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في ملاحقة مصادر المعلومات أو تضييق مساحة تداولها، بل في معالجة الأسباب التي تدفع بعض الموظفين أو المطلعين إلى الكشف عن الوثائق، والرد على ما تتضمنه من تساؤلات من خلال الإفصاح المؤسسي والمعلومات الدقيقة.
وفي النهاية، فإن أي مؤسسة تشعر بالارتباك بسبب وثيقة رسمية منشورة، مطالبة أولاً بالإجابة عن مضمونها قبل البحث عن الجهة التي قامت بنشرها، لأن الثقة لا تُبنى بالمراقبة، بل بالشفافية، ولا تُعزَّز بملاحقة الأسئلة، بل بتقديم الإجابات.
ويبقى السؤال الأهم … هل ستتعامل المؤسسات مع ظاهرة “الجنرال إنسبكتور” بوصفها تحدياً أمنياً وإدارياً فحسب، أم ستنظر إليها باعتبارها مؤشراً على الحاجة إلى مزيد من الشفافية والانفتاح وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات؟

