عقدة إلكترا… حين تبكي المرأة من جرح الطفولة

4 د للقراءة
4 د للقراءة
عقدة إلكترا… حين تبكي المرأة من جرح الطفولة

صراحة نيوز – د. منى النحلاوي

حين تبكي المرأة، لا تكون دموعها دائمًا مجرد انفعال عابر أو لحظة ضعف مؤقتة، بل قد تكون لغة نفسية كثيفة تختزن ما عجزت الكلمات عن قوله. فالبكاء، في كثير من الأحيان، ليس حدثًا منفصلًا عن تاريخها العاطفي، بل امتدادًا لمسارات مبكرة من التعلّق والاحتياج والخذلان، تبدأ أحيانًا منذ الطفولة، وتترك بصمتها على صورة المرأة عن نفسها، وعلى شكل علاقاتها بالآخرين.

ومن هنا يبرز مفهوم “عقدة إلكترا” بوصفه أحد مفاهيم التحليل النفسي الكلاسيكي التي حاولت تفسير جانب من علاقة الفتاة بأبيها في الطفولة المبكرة. ويُستخدم هذا المفهوم للإشارة إلى مرحلة تتعلق فيها الطفلة بأبيها عاطفيًا، وتعيش نوعًا من الغيرة أو المنافسة تجاه الأم، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى التماهي مع الأم وبناء هويتها الأنثوية بصورة أكثر نضجًا. وفي المسار الصحي للنمو، تُطوى هذه المرحلة تدريجيًا ضمن تطور الشخصية، لكن الإشكال يبدأ حين يبقى الاحتياج العاطفي القديم بلا إشباع أو بلا فهم، فيتحول إلى أثر نفسي خفي يمتد إلى سنوات الرشد.

فالفتاة التي تنشأ في ظل أب بعيد عاطفيًا، أو قاسٍ، أو بخيل في التقدير والاحتواء، قد تحمل معها جرحًا صامتًا لا يظهر مباشرة، لكنه يتسرّب إلى اختياراتها العاطفية وطريقتها في الحب والتعلّق. وحين تكبر، قد تجد نفسها تنجذب – من حيث لا تشعر – إلى رجل يشبه الأب في حضوره أو غيابه، في صلابته أو سلطته أو بروده، وكأنها تعيد المحاولة ذاتها ولكن في هيئة علاقة جديدة، علّها تنال هذه المرة الاعتراف الذي افتقدته، أو الحب الذي تأخر كثيرًا.

وقد يظهر هذا الأثر في أكثر من صورة؛ فقد تدخل المرأة في علاقة مع رجل أكبر منها بكثير، لا بحثًا عن شريك متكافئ، بل عن ظل أبوي يمنحها الطمأنينة المفقودة. وقد تنجذب إلى رجل مضطرب أو مثقل بالمشكلات، وتضع نفسها في دور المنقذة، كأن الحب لا يثبت إلا بالتضحية والاستنزاف. وفي حالات أخرى، قد تتسامح مع الإهمال أو الإساءة أو العلاقات غير المتوازنة، لأنها في عمقها لم تتعلم أن الحب يمكن أن يأتي بلا ألم، أو أن القبول لا ينبغي أن يكون مشروطًا بالإنهاك المستمر.

ولا تتوقف المسألة عند شكل العلاقة بالرجل، بل تمتد إلى علاقة المرأة بنفسها وبأنوثتها وبالأم أيضًا. فالمرأة التي لم تنه صراعها الداخلي مع صورة الأم، أو لم تستطع التماهي معها بصورة صحية، قد تبقى متأرجحة في نظرتها إلى ذاتها الأنثوية، وتبحث عن قيمتها في عيون الآخرين أكثر مما تبحث عنها في داخلها. وهنا يصبح الحب طلبًا للاعتراف، لا مشاركة ناضجة؛ ويصبح التعلّق محاولة متكررة لرتق نقص قديم، لا اختيارًا حرًا لشريك حياة.

لكن هل يعني ذلك أن المرأة أسيرة لطفولتها إلى الأبد؟
ليس بالضرورة.

فالوعي هو بداية التحرر. حين تدرك المرأة أن بعض علاقاتها لم تكن حبًا خالصًا بقدر ما كانت بحثًا عن احتياج قديم، وأن بعض دموعها لم تكن بسبب الحاضر وحده بل بسبب طفلة في الداخل ما زالت تنتظر الاحتواء والاطمئنان، فإنها تبدأ أول خطوة في استرداد نفسها. الوعي لا يمحو الماضي، لكنه يضعه في حجمه الحقيقي، ويمنح المرأة فرصة أن تفصل بين الرجل الذي أمامها الآن، وبين الأب الذي لم يكتمل حضوره يومًا.
إن التحرر من أنماط التعلّق القديمة لا يبدأ بإنكار الجرح، بل بالاعتراف به، وفهمه، والتصالح معه، وربما الاستعانة بمساندة نفسية متخصصة حين يكون أثره عميقًا. فليس مطلوبًا من المرأة أن تظل تعيد تمثيل مآسيها الأولى في كل علاقة جديدة، ولا أن تدفع ثمن طفولة ناقصة من عمرها وكرامتها وسلامها النفسي.

لهذا، حين تبكي المرأة، لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا تبكي؟
بل: أيُّ قصة قديمة تستيقظ في داخلها الآن؟ وأيُّ طفلة ما زالت تطلب من العالم أن يمنحها ما حُرمت منه في البدايات؟
رفقًا بالقوارير… فبعض الدموع لا تسقط من عين امرأة فقط، بل من ذاكرة كاملة لم تُشفَ بعد.

باحثة فى القضايا الاجتماعية

شارك هذا المقال