صراحة نيوز- بقلم : عماد عواودة ، ابو حازم ..
في بداية حزيران ، قيل كلامٌ واضح لا يحتمل الالتفاف ، وحددت مواعيد قريبة لإنهاء العمل ، وتحدث المعنيون بنبرة واثقة توحي بأن ما تبقّى ليس إلا تفاصيل زمنية بسيطة ، وأن المشروع يسير نحو نهايته الحتمية ، لا نحو مزيد من التمدد والتمديد .
لكن الزمن قال كلمته الهادئة والمربكة في آنٍ واحد : مرّ حزيران ، وسيبدأ تموز يبالتسلل، ولم يتغير في الأرض إلا شكل الغبار ، وتعاقب الآليات ، وتبدل مواقع الحفر والردم ، دون أن يلمس الناس أثراً نهائياً يشي باقتراب إغلاق الملف ..
لم يعد الأمر مجرد تأخير في تنفيذ مشروع ، بل تحول إلى مشهد متكرر يفرض نفسه على يوميات الناس ، حتى صاروا يتعاملون معه بوصفه حالة دائمة لا مرحلة مؤقتة ، حركة في الموقع بلا حصيلة واضحة ، واشتغال لا يقود إلى نهاية ، وكأن الهدف إبقاء المكان في حالة « عمل مستمر » لا حالة « إنجاز مكتمل » .
الأكثر إيلاماً في أذهان الناس ليس بطء التنفيذ وحده ، بقدر تلك الفجوة الصارخة بين لحظة القول ولحظة الواقع ؛ هناك لحظة تُقال فيها الوعود أمام المسؤولين بثقة كاملة ، بنبرة تشبه من يضع يده على صدره قائلاً إن الأمر محسوم وقريب الانتهاء ، وأن كل شيء تحت السيطرة .
ثم تأتي اللحظة على الأرض ، فلا تجد ما يطابق ذلك اليقين ، او تلك الوعود ؛ لا انتهاء ، لا إغلاق ملفات ، لا انتقال إلى مرحلة جديدة ، بل استمرار للدورة ذاتها من الحفر والردم وإعادة الحفر .
وحين يُطلب التفسير ، لا يتغير المشهد كثيراً ، إلا في اللغة : تأجيل ، إعادة جدولة ، ظروف ميدانية ، إعادة تقدير ؛ وكأن اليد نفسها التي كانت على الصدر قد انتقلت إلى الجبين ، لا لتعلن اكتمالاً ، بل لتكشف ارتباكاً متأخراً أمام واقع لم يتحقق كما قيل .
وبين هاتين الحركتين « دقّ الصدر وضرب الجبين » تتشكل المسافة التي يعيشها الناس يومياً : مسافة بين وعدٍ قاطع وواقعٍ معلّق ، بين إعلان نهاية قريبة ومشهد لا يريد أن ينتهي .
مع الوقت ، يفقد الخطاب الرسمي قدرته على الإقناع أمام تكرار الصورة ذاتها على الأرض ؛ فالمعيار لم يعد ما يُقال بدق الصدر ، إنما ما يُنجز ؛ وما يُنجز – حتى الآن – لا يزال يدور في المكان نفسه ، دون أن يقترب من خط النهاية .
أما الناس ، فقد اختصروا هذا كله بكلمة واحدة خرجت من رحم التجربة اليومية ، لا من قاموس الإنشاء : « ترقيعات » ؛ لأنها تصف بدقة حالة الإصلاح الذي لا يكتمل ، والعمل الذي يُعاد أكثر مما يُنجز ، والوقت الذي يُستهلك دون أن يتحول إلى نتيجة .
وفي النهاية ، يبقى المشهد على حاله : وعود تُقال بثقة في لحظة « دق الصدر » ، وواقع يواجه لحظة « ضرب الجبين » ، وبينهما مشروعٌ ما زال يُدار أكثر مما يُحسم ، ويُعلن عنه أكثر مما يُنجز .

