صراحة نيوز- بقلم: زياد فرحان المجالي – عمّان
يستحق اللقاء الأخير لرئيس الوزراء الأردني السابق الدكتور بشر الخصاونة قراءة تتجاوز العناوين السريعة والاقتباسات المثيرة؛ فهو لم يتحدث بوصفه مراقبًا من خارج المشهد، بل بوصفه رجل دولة شغل مواقع دبلوماسية وسياسية رفيعة، ثم ترأس الحكومة في واحدة من أكثر المراحل الأردنية تعقيدًا سياسيًا واقتصاديًا.
ولهذا فإن شهادته مهمة، لكنها، كأي تجربة حكومية، تبقى قابلة للنقاش والنقد والمراجعة.
قدم الخصاونة في اللقاء دفاعًا واضحًا عن قدرة الدولة الأردنية على تجاوز العواصف الإقليمية، وتحدث بثقة عن مسار الإصلاح السياسي والاقتصادي ومستقبل الحكومات الحزبية، كما عرض رؤيته لجماعة الإخوان المسلمين وعدد من الملفات التي عايشها من داخل مؤسسة القرار.
لكن أي مراجعة جادة لتلك المرحلة تفرض سؤالًا أساسيًا: هل يكفي أن نقول إن الأردن اجتاز الأزمات، أم أن المطلوب أيضًا قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي تركته سنوات الأزمات على المواطن؟
لا خلاف على أن الأردن حافظ على استقراره في محيط مضطرب، وهذه نقطة مهمة تُحسب للدولة ومؤسساتها. غير أن الاستقرار ليس نهاية الطريق، بل قاعدة يفترض أن يُبنى فوقها نمو اقتصادي وفرص عمل وتحسن في مستوى المعيشة وتعزيز للثقة بين المواطن والمؤسسات.
وهنا يبرز سؤال مشروع عن المسافة بين المؤشرات والتقييمات الرسمية وبين ما تشعر به قطاعات من المواطنين في حياتها اليومية.
فعندما يجري الحديث عن نجاحات اقتصادية وإصلاحات حظيت بإشادة مؤسسات دولية، يبقى من حق المواطن أن يسأل: أين انعكست هذه النتائج على دخله؟ وماذا تحقق في مواجهة البطالة؟ وكيف يمكن تخفيف تكاليف المعيشة؟ وإلى أي مدى استطاعت السياسات الاقتصادية معالجة المديونية وتعزيز القدرة الشرائية وفتح آفاق أوسع أمام الشباب؟
فالاقتصاد ليس أرقامًا في التقارير وحدها، ونجاحه الحقيقي يكتمل عندما يلمس المواطن أثره في حياته ومستقبل أسرته.
وفي حديثه عن جماعة الإخوان المسلمين، استخدم الخصاونة توصيفًا سياسيًا حادًا عندما تحدث، وفق ما ورد في اللقاء، عن محاولة «التنمر على السلطة».
وهنا يصبح التوقف ضروريًا؛ لأن العبارة تصدر عن رئيس وزراء ووزير دفاع سابق، وبالتالي فإن وزنها السياسي يتجاوز السجال العابر.
وإذا كان المقصود بها وقائع أو ممارسات محددة عايشها الخصاونة من موقع المسؤولية، فإن تقديم مزيد من السياق والتفاصيل سيكون أكثر فائدة للرأي العام؛ لأن النقاش السياسي الصحي يقوم على الوقائع المحددة بقدر ما يقوم على التقييمات السياسية.
وهنا تبرز مفارقة تستحق النقاش.
فالخصاونة يتحدث في الوقت ذاته عن توجه الأردن نحو حكومات حزبية أكثر رسوخًا، وعن ضرورة منح الحكومات قدرًا أكبر من الاستقرار والاستمرارية. وهذه رؤية مهمة ضمن مشروع التحديث السياسي، لكنها تضع الدولة والأحزاب معًا أمام امتحان حقيقي:
كيف نبني حياة حزبية قوية وناضجة إذا لم نوسّع مساحة الاختلاف السياسي المسؤول؟
وكيف نشجع المواطن على الانخراط في الأحزاب ما لم يكن واضحًا أن الاختلاف في الموقف، ما دام تحت سقف الدستور والقانون، جزء طبيعي من الحياة العامة وليس خصومة مع الدولة؟
فالدولة القوية لا يضيرها وجود أحزاب قوية تعمل ضمن الدستور والقانون، والحزب المسؤول، في المقابل، لا يجوز له أن ينازع مؤسسات الدولة اختصاصها أو سيادتها.
أما ما ذكره الخصاونة في اللقاء عن عروض مالية كبيرة قُدمت للأردن مقابل القبول بتسوية معينة، وأن الملك عبدالله الثاني رفضها، فهو من أكثر أجزاء حديثه حساسية وإثارة للأسئلة.
وبما أن هذه المعلومة وردت على لسان رئيس وزراء سابق، فمن الطبيعي أن يتساءل الرأي العام: من كانت الجهات التي قدمت تلك العروض؟ ومتى جرى ذلك؟ وما طبيعة التسوية التي كان الحديث يدور حولها؟ وما الذي كان مطلوبًا من الأردن في المقابل؟
وقد تكون هناك، بطبيعة الحال، اعتبارات تتعلق بالدولة والدبلوماسية تحول دون الكشف عن جميع التفاصيل، لكن أهمية المعلومة نفسها تجعل الحاجة إلى السياق أكبر، حتى لا تُترك مساحة واسعة للتأويل والاجتهاد.
وفي النهاية، لا يمكن اختزال تجربة حكومة بشر الخصاونة في حكم واحد بين النجاح والفشل.
لقد أدارت حكومته ملفات صعبة، وعملت في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، ومن الإنصاف أخذ ذلك في الاعتبار. لكن من حق المواطن أيضًا أن يقيس أداء أي حكومة بالنتائج التي انعكست على حياته ومستقبله.
وهنا نصل إلى العبارة المتفائلة التي حملها حديث الدكتور بشر الخصاونة: «القادم أجمل».
ونحن، مثل جميع الأردنيين، نتمنى أن يكون القادم أجمل فعلًا.
لكن السؤال الذي نضعه أمام دولة الرئيس، باحترام ومن دون تجنٍّ، هو:
دولة الرئيس… متى يصل هذا الجميل؟
سمع الأردنيون خلال سنوات متعاقبة حديثًا عن الإصلاح والنمو والاستثمار والتحديث والفرص القادمة. وما ينتظره المواطن اليوم هو أن يرى ثمرة ذلك في فرصة عمل، وتحسن في الدخل، وخدمات أكثر جودة، وقدرة أكبر على مواجهة أعباء الحياة، وشعور أوسع بالأمان الاقتصادي والاجتماعي.
التفاؤل مطلوب، والرؤية للمستقبل ضرورية، لكن نجاح السياسات العامة لا يُقاس بجمال العبارات وحدها، بل بما يتحقق منها على أرض الواقع.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحًا، لا بقصد الانتقاص من تجربة أحد، وإنما طلبًا لإجابة يحتاجها المواطن:
إذا كان القادم أجمل فعلًا، فمتى يبدأ الأردنيون برؤية هذا الجمال في حياتهم اليومية؟

