صراحة نيوز – زياد فرحان المجالي
تكشف التطورات الأخيرة في قطاع غزة عن مفارقة إسرائيلية متزايدة الوضوح: الجيش يحقق تفوقًا ميدانيًا واسعًا، لكن المؤسسة السياسية لا تزال عاجزة عن تحويل هذا التفوق إلى نظام مستقر لما يسمى «اليوم التالي».
فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بنسبة الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، ولا بعدد الأنفاق التي دُمّرت أو القيادات التي استُهدفت، وإنما بالسؤال الأكثر تعقيدًا: هل تستطيع إسرائيل تحويل سيطرتها العسكرية إلى واقع سياسي وأمني قابل للاستمرار، أم أن الفراغ الذي صنعته سيعيد حماس والقوى الإقليمية إلى غزة من بوابة أخرى؟
هذا هو جوهر الأزمة التي تظهر خلف الانتقادات الإسرائيلية لوقف الاغتيالات المستهدفة، وإدخال قوة متعددة الجنسيات، وتسريع مشاريع إعادة الإعمار في رفح.
فمن زاوية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كان استمرار الضغط العسكري على حماس جزءًا من منع الحركة من إعادة بناء بنيتها التنظيمية والعسكرية. ولذلك يُنظر إلى وقف الاغتيالات المستهدفة قبل التوصل إلى صيغة واضحة لنزع السلاح أو ضبطه باعتباره مخاطرة تسمح للحركة باستغلال فترة الهدوء لإعادة ترتيب صفوفها.
لكن هذه ليست الصورة الوحيدة.
فالتحول الجاري يمكن قراءته أيضًا باعتباره بداية انتقال من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتنافس فيها الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية مع الرغبة الأمريكية والإقليمية في تثبيت وقف القتال، وإعادة إعمار القطاع، ومنع العودة إلى حرب واسعة جديدة.
وهنا تظهر المعضلة الحقيقية.
إسرائيل تريد الاحتفاظ بحرية العمل العسكري والأمني داخل غزة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد العودة إلى إدارة القطاع مباشرة، وترفض حتى الآن منح السلطة الفلسطينية دورًا مركزيًا في الحكم. والنتيجة هي فراغ سياسي لا تستطيع القوة العسكرية وحدها ملأه.
هذا الفراغ هو الذي يفتح المجال أمام أدوار أمريكية وعربية وإقليمية متزايدة.
فدخول قوة متعددة الجنسيات، والحديث عن ترتيبات جديدة في رفح، والدور المتصاعد لقطر وتركيا ومصر والسعودية والإمارات، جميعها مؤشرات إلى أن مستقبل القطاع لم يعد قرارًا إسرائيليًا منفردًا، حتى لو بقي الجيش الإسرائيلي صاحب القوة العسكرية الأكبر على الأرض.
واللافت أن رفض إشراك السلطة الفلسطينية قد يكون أدى إلى نتيجة معاكسة لما أرادته إسرائيل. فبدل أن تمنع عودة خصومها إلى المشهد، ساهم غياب البديل الفلسطيني الرسمي في توسيع الحاجة إلى وسطاء وقوى خارجية بعضها لا يتبنى الرؤية الإسرائيلية لمستقبل غزة.
أما مشروع رفح، فهو يكشف بدوره التناقض بين السرعة السياسية ومتطلبات الأمن والإدارة. فإعادة بناء مناطق سكنية واستيعاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين قد تساعد في تثبيت الاستقرار، لكنها لن تكفي وحدها إذا لم تُحسم مسألة السلطة والأمن والسلاح ومن يملك القرار داخل القطاع.
لذلك فإن الخطر الحقيقي بالنسبة لإسرائيل لا يتمثل فقط في قدرة حماس على إعادة بناء جزء من قوتها، بل في أن تصل الحرب إلى نهايتها العسكرية دون أن تنجح إسرائيل في صياغة نظام سياسي بديل.
وهنا تصبح غزة أمام ثلاثة مشاريع متنافسة: مشروع إسرائيلي يريد الاحتفاظ بحرية العمل الأمني، ومشروع أمريكي يسعى إلى الاستقرار وإعادة الإعمار، ومشروع فلسطيني وإقليمي يريد منع تحول القطاع إلى منطقة خاضعة لإدارة أمنية إسرائيلية دائمة.
ومن سيحسم هذه المعادلة لن يكون بالضرورة الطرف الذي يسيطر على أكبر مساحة من الأرض، بل الطرف القادر على بناء النظام السياسي الذي سيحكم غزة بعد الحرب.
وهذه هي المفارقة الأكبر: قد تكون إسرائيل قد حققت تفوقًا عسكريًا واسعًا، لكن معركة «اليوم التالي» لم تُحسم بعد، وربما تكون أكثر صعوبة من معركة السيطرة على الأرض نفسها.

