مصطفى ياغي يكتب.. لماذا كل هذه الجلبة؟

8 د للقراءة
8 د للقراءة
مصطفى ياغي يكتب.. لماذا كل هذه الجلبة؟

صراحة نيوز – د. مصطفى ياغي

في بعض القضايا، لا تكون المشكلة في القرار الذي انتهت إليه الدولة، وإنما في الطريق الذي سلكته للوصول إليه. وفي ملف الاستملاك المرتبط بمشروع سكة حديد العقبة وتوسعة البوتاس، يبدو أن السؤال الأهم اليوم ليس فقط ماذا قررت الحكومة، وإنما لماذا احتجنا إلى كل هذا الجدل، وكل هذا القلق، وكل هذه الضوضاء، حتى نصل في النهاية إلى قرار يؤكد أن التعويض سيكون كاملاً وعادلاً، وأن حقوق أصحاب الأراضي لن تُنتقص؟

قرار مجلس الوزراء الصادر اليوم واضح في جوهره؛ تعويض كامل وعادل عن الأراضي المستملكة، إما من خلال دفع قيمة الأرض وما عليها، أو من خلال مبادلتها بأراضٍ مماثلة، وعدم تطبيق «الربع القانوني» على الاستملاكات الخاصة بمشروع سكة حديد العقبة، والاستمرار وفق القانون النافذ حالياً. وهذا، في جوهره، موقف يطمئن أصحاب الأراضي ويحمي حقوقهم، وهو أمر لا يمكن إلا الترحيب به.

لكن هنا تحديداً يبدأ العتب.

إذا كان هذا الحل ممكناً منذ البداية، فلماذا لم نبدأ منه؟

لماذا سمحنا بأن يأخذ الملف كل هذا الحجم من الجدل؟ لماذا وصل المواطن إلى مرحلة يشعر فيها أن هناك اقتطاعاً محتملاً من ملكيته، وأن عليه أن يدافع عن حقه، وأن مجلس النواب أمام استحقاق تشريعي حساس، وأن الشارع أمام قضية جديدة من القلق والجدل، ثم نصل في النهاية إلى قرار حكومي يقول ببساطة: لا يوجد انتقاص من حق المواطن، والتعويض سيكون كاملاً وعادلاً؟

هذه ليست ملاحظة عابرة، وليست محاولة للعودة إلى الوراء، وإنما هي عتب صريح على أصحاب القرار؛ لأن إدارة الملفات العامة لا تقاس فقط بصحة القرار النهائي، وإنما أيضاً بحسن التقدير قبل الوصول إليه، وبقدرة مؤسسات الدولة على استباق القلق بدلاً من معالجته بعد أن يصبح قضية رأي عام.

كان يمكن أن يبدأ النقاش من قاعدة واضحة: المشاريع الوطنية لا تُقام على حساب حقوق أصحابها، وحق الملكية لا يحتاج إلى معركة حتى تثبت الدولة أنها تحميه.

كان يمكن أن نضع المواطن منذ اللحظة الأولى أمام صورة واضحة ومطمئنة، وأن نقول له إن مشروع سكة حديد العقبة مشروع وطني، وإن توسعة البوتاس مصلحة اقتصادية، لكن في المقابل لن يكون أي منهما على حساب حقه، وإن التعويض سيكون كاملاً وعادلاً وفق القانون.

لو قيل ذلك منذ البداية، لربما اختصرنا كثيراً من الجدل، وأغلقنا أبواباً واسعة للتأويل، وحافظنا على ثقة المواطن، وأعطينا أصحاب القرار أنفسهم مساحة أكبر للحديث عن المشروع باعتباره إنجازاً وطنياً، لا عن الخلاف الذي رافق تشريعاته وإجراءاته.

ثم إن القضية لا تتوقف عند حدود التعويض.

هناك نقاش قانوني مهم حول مفهوم «الطريق» ومدى انطباقه على السكك الحديدية. فالتصنيفات الدولية في قطاع النقل تميز بين النقل الطرقي والنقل السككي، وتتعامل مع الطرق والسكك الحديدية كبنى تحتية منفصلة، وفي الأردن لدينا كذلك تشريعات مستقلة للطرق والسكك الحديدية. ولذلك فإن توسيع مفهوم «الطريق» ليشمل السكة الحديدية أو حرمها، إذا كان هو المقصود تشريعياً، يجب أن يكون واضحاً وصريحاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملكية المواطن والاستملاك والتعويض.

وهنا أيضاً كان الأولى أن يكون النقاش أكثر هدوءاً ووضوحاً منذ البداية، لأن القوانين عندما تتصل بملكية الناس لا تحتمل المناطق الرمادية، ولا تحتمل أن يشعر المواطن أن حقه يمكن أن يتغير بحسب التفسير أو الاجتهاد.

أما مجلس النواب، فالقضية لا تتعلق فقط بإعطائه فرصة لمناقشة القانون، وإنما بصورة المؤسسة التشريعية أمام المواطن. عندما يكون هناك قانون يمس الملكية الخاصة، فإن من حق النواب أن يناقشوا النصوص بكل تفاصيلها، وأن يقترحوا التعديلات، وأن يمارسوا دورهم كاملاً دون أن يشعر الرأي العام أن النتيجة قد حُسمت قبل أن يبدأ النقاش.

لكن، مرة أخرى، لا أريد أن تختزل القضية في مجلس النواب وحده؛ لأن جوهر المسألة أكبر من ذلك.

العتب الحقيقي هو: لماذا نُدير بعض الملفات بهذه الطريقة؟

لماذا نذهب أحياناً إلى أقصى درجات الجدل، ثم نعود لنقدم الحل الذي كان يمكن تقديمه منذ البداية؟ لماذا نضع المواطن في حالة قلق، ثم نطمئنه؟ لماذا نسمح للشارع أن ينقسم حول قضية، ثم نكتشف أن الحل ليس مستحيلاً؟ ولماذا نستهلك وقت الدولة ومؤسساتها وطاقتها في سجالات كان يمكن تفاديها بقرار واضح منذ اللحظة الأولى؟

أصحاب القرار في الدولة لا يُنتظر منهم فقط أن يجدوا الحلول عندما تتعقد الملفات، بل أن يمتلكوا القدرة على رؤية النتائج قبل أن تتعقد.

وهذه ليست مطالبة بالمثالية، وإنما مطالبة بحسن التقدير.

نحن أمام دولة لديها مؤسسات وخبرات قانونية واقتصادية وإدارية، وأمام مشاريع استراتيجية تحتاج إلى دعم الجميع، وأمام مواطن يجب أن يشعر أن الدولة تقف إلى جانبه وتحمي حقوقه. لذلك فإن الأصل أن تكون القرارات منذ البداية بمستوى هذه الدولة، واضحة، متوازنة، مطمئنة، وقابلة للدفاع عنها أمام الناس دون الحاجة إلى سلسلة من التوضيحات والتراجعات والمعالجات.

لا أحد يعارض سكة حديد العقبة، ولا أحد يعارض توسعة البوتاس، ولا أحد يعارض الاستثمار والتنمية والمشاريع التي يمكن أن تغير شكل الاقتصاد الأردني. بل إن من واجبنا جميعاً دعم المشاريع التي تخدم المصلحة الوطنية.

لكن المصلحة الوطنية ليست المشروع وحده؛ المصلحة الوطنية هي المشروع وحقوق الناس وهيبة القانون وثقة المواطن بمؤسسات الدولة في الوقت ذاته.

ومن هنا، فإن قرار اليوم جيد في مضمونه، ونأمل أن يكون بداية لإغلاق هذا الملف بصورة تحفظ حقوق أصحاب الأراضي وتدفع بالمشروع إلى الأمام. لكن جودة القرار النهائي لا تمنعنا من تسجيل عتب واضح على طريقة إدارة الملف.

كان يمكن أن نصل إلى هنا دون كل هذا.

كان يمكن أن نقول منذ البداية إن السكة الحديدية مشروع وطني، وإن البوتاس ثروة وطنية، وإن الأرض ملك خاص لا يُنتقص من حق صاحبها، وإن التعويض سيكون كاملاً وعادلاً، وإن التشريع سيُناقش في مكانه الطبيعي، وإن كل مؤسسة ستقوم بدورها.

كان يمكن أن ننجز المشروع ونحمي المواطن ونحترم المؤسسات في آن واحد.

وهذا تحديداً ما ننتظره من أصحاب القرار؛ أن تكون الدولة دائماً خطوة إلى الأمام، لا أن تنتظر حتى تتسع دائرة الجدل ثم تقدم الحل الذي كان ممكناً تقديمه منذ البداية.

في النهاية، ليست المشكلة أن الدولة صححت المسار، بل السؤال لماذا احتجنا إلى كل هذا الطريق حتى نصل إلى التصحيح؟

ولذلك نقولها بوضوح، وبكل الاحترام لأصحاب القرار: كان يمكن أن يكون المشهد أكثر هدوءاً، وأكثر وضوحاً، وأكثر احتراماً لعقل المواطن، لو بدأنا من الحل الذي وصلنا إليه اليوم.

ويبقى السؤال القائم اليوم، وحتى بعد إقرار التعديلات على قانون الملكية العقارية: هل معنى «الطريق» يشمل السكك الحديدية أم سيتم التراجع عنه؟ لأن مفهوم السكك الحديدية هنا لا يقتصر فقط على خط سكة حديد نقل البوتاس والفوسفات، وإنما سوف يتعداه إلى المشروع الوطني الكبير والمأمول، وهو خط سكة حديد لنقل الركاب يربط شمال المملكة بجنوبها؟

شارك هذا المقال