الأرض الزراعية… ثروة وطنية لا تُقدَّر بثمن

6 د للقراءة
6 د للقراءة
الأرض الزراعية... ثروة وطنية لا تُقدَّر بثمن

صراحة نيوز- بقلم : المهندس سمير سليمان

ليست التنمية خيارًا يمكن للدول الاستغناء عنه، كما أن تطوير البنية التحتية وإقامة المشاريع التنموية يُعدّان ضرورة لمواكبة النمو السكاني والاقتصادي، وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز القدرة التنافسية. غير أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم المشاريع المنفذة، بل بقدرتها على تحقيق أهدافها دون أن تُخلّف كُلفًا يصعب تعويضها على البيئة أو الزراعة أو الموارد الطبيعية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى معادلة أكثر توازنًا في التخطيط للمشاريع، خصوصًا في بلد محدود الموارد كالأردن، حيث تتداخل الأرض والمياه والبيئة والزراعة ضمن منظومة واحدة، وأي تغيير جوهري في أحد عناصرها ينعكس بالضرورة على بقية العناصر. فالمشروع الزراعي لا يمكن فصله عن المياه أو البيئة، إذ يعتمد أساسًا على توفر المياه وجودتها، وعلى خصوبة التربة وسلامة النظام البيئي المحيط، وأي خلل في هذه المكونات ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي واستدامته.

وعليه، فإن المسألة لا تتعلق بإنشاء المشروع من عدمه، ولا تُعد دعوة إلى تعطيل التنمية أو إعاقة مشاريع البنية التحتية، وإنما تتمثل في اختيار الموقع والمسار والتصميم الأنسب بما يحقق الأهداف التنموية مع الحد الأدنى من الأثر على الموارد الزراعية والبيئية.

وتتضاعف أهمية هذا النهج عندما يتعلق الأمر بالأراضي الزراعية، إذ إن الأرض ليست مجرد مساحة قابلة للاستبدال؛ فهي نظام إنتاجي متكامل يتطلب سنوات طويلة لتتشكل خصائصه، ويرتبط بمنظومة من المياه والتربة والمناخ والخبرات الزراعية والبنية الإنتاجية والأسواق.

لذلك، فإن فقدان جزء من الأراضي الزراعية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تغيير في استخدامات الأراضي، بل قد يعني في بعض الحالات تراجعًا في القدرة الإنتاجية، وانخفاضًا في فرص العمل الزراعي، وضغطًا متزايدًا على الأمن الغذائي، فضلًا عن آثار بيئية قد لا تظهر بشكل فوري.

ومن هنا تنبع أهمية التخطيط المكاني المتوازن، الذي لا ينتظر تحول المشروع إلى واقع ثم يبدأ بدراسة آثاره، بل يدمج الاعتبارات الزراعية والبيئية ضمن عملية التخطيط منذ مراحلها الأولى.

فدراسة الموقع لا ينبغي أن تقتصر على كلفة الأرض أو سهولة الوصول أو قربها من الخدمات، بل يجب أن تمتد لتشمل القيمة الزراعية للأرض، وخصوبة التربة، ومصادر المياه، والغطاء النباتي، وحساسية النظام البيئي، وطبيعة النشاط الزراعي القائم، وإمكانية اعتماد بدائل أقل ضررًا.

ويقدم مشروع توسعة طريق مطار الملكة علياء الدولي مثالًا أردنيًا على أهمية إدخال الاعتبارات البيئية ضمن تنفيذ مشاريع البنية التحتية. فقد أثيرت خلال المشروع مسألة الأشجار الموجودة على جانبي الطريق، وشملت المعالجة زراعة أشجار بديلة، مع إلزام المقاول بأعمال الصيانة والري لعدة سنوات، في محاولة للتخفيف من الأثر البيئي للمشروع وتعويض جزء من الفاقد.

وهذا المثال يوضح أن الاعتبارات البيئية لا ينبغي أن تكون مرحلة لاحقة تأتي بعد اتخاذ القرار، بل جزءًا من عملية التخطيط والتنفيذ نفسها. فحتى عندما تفرض طبيعة المشروع إزالة بعض الأشجار أو تغيير استخدام جزء من الأرض، فإن السؤال يجب أن يكون: كيف نخفض الضرر إلى أدنى مستوى ممكن، وكيف نعوض ما يمكن تعويضه، وكيف نضمن استدامة المعالجة؟

وفي بعض الحالات، قد يكون تعديل مسار طريق أو خط خدمات، أو إعادة توزيع مكونات مشروع، كافيًا لتقليل خسارة مساحات زراعية ذات أهمية عالية. ورغم بساطة هذه التعديلات في مرحلة التخطيط، إلا أن أثرها يكون كبيرًا على المدى البعيد.

كما أن المسؤولية لا تنتهي عند اختيار الموقع، إذ إن تصميم المشاريع وتنفيذها وإدارة مخلفاتها وحماية التربة ومصادر المياه خلال مراحل الإنشاء تُعد جميعها عناصر أساسية ضمن مفهوم التنمية المستدامة، لأن الأثر البيئي قد يبدأ منذ اللحظة الأولى للتنفيذ، وليس بعد تشغيل المشروع.

ولا يمكن فصل هذه القضية عن الأمن الغذائي، فالزراعة وإن لم تكن المكوّن الوحيد له، إلا أنها ركيزة أساسية فيه. إن الحفاظ على قاعدة إنتاج زراعي محلي يعزز قدرة الدولة على مواجهة تقلبات الأسواق والأزمات وسلاسل التوريد، ما يجعل حماية الأراضي الزراعية المنتجة جزءًا من منظومة الأمن الوطني والغذائي والبيئي.

لذلك، نحن بحاجة إلى رؤية شاملة لا تبحث عن جهة بعينها لتحميلها المسؤولية، بل عن منظومة تخطيط متكاملة قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية الموارد الطبيعية.

وقد يكون من الضروري في هذا السياق تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بالتخطيط والتنمية والزراعة والبيئة، بحيث لا تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى. فالمشاريع التنموية قد تنعكس على القطاع الزراعي، كما أن المشاريع الزراعية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالمياه والبيئة، في حين تعيد البنية التحتية تشكيل أنماط استخدام الأراضي. وهذه التشابكات تتطلب قرارات تكاملية لا قرارات منفصلة.

إن التنمية لا تعني الاختيار بين المشروع والبيئة، أو بين البنية التحتية والزراعة، بل تقوم على إيجاد الحلول التي تحقق أعلى منفعة ممكنة بأقل كلفة ممكنة، مع مراعاة الموارد التي يصعب تعويضها.

وفي بلد مثل الأردن، حيث الأراضي الزراعية محدودة والمياه شحيحة والضغوط على الموارد متزايدة، يصبح الحفاظ على كل مساحة زراعية منتجة مسؤولية تتجاوز الحاضر إلى المستقبل. فالأرض التي نحافظ عليها اليوم تمثل مصدرًا للأمن الغذائي وفرص العمل والدخل، وركيزة للاستقرار غدًا.

الأرض الزراعية… ثروة وطنية لا تُقدَّر بثمن.

وعليه، فإن نجاح أي مشروع تنموي لا يُقاس فقط بما يضيفه من بنية تحتية أو خدمات أو فرص اقتصادية، بل أيضًا بمدى قدرته على حماية الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية والبيئة السليمة.

تلك هي المعادلة التي تجعل التنمية أكثر استدامة، وتُرسّخ حماية الزراعة والبيئة كجزء أصيل من مسار البناء، لا عائقًا أمامه.

شارك هذا المقال