صراحة نيوز ـ بقلم محمد جمعة الخضير
كمواطن شاءت الصدفة أن يكون من سكان العالم الثالث تعلّمت أن أنظر إلى تشكيل الحكومات وتعديلها من موقع من اختبر طويلًا المسافة بين المواطن والسلطة لذلك ، لم يعد يشغلني كثيرًا من يأتي إلى الحكومة ومن يغادرها ، ولا كم وزيرًا سيبقى وكم وزيرًا سيغادر فقد طال بنا اختبار الحكومات وسراب وعودها حتى أصبحنا نعرف أن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير ما نعيشه .
المسألة بالنسبة لي ولمن يشاركني الرأي ، لم تعد في أسماء الوزراء بقدر ما هي في المسافة ” الماراثونية “التي تفصلهم عن تفاصيل الحياة والظروف البائسة المثقلة بسوء توزيع الثروة التي يعيشها الناس لا أعرف كم وزيرًا وطأت أقدام أبنائه مدارسنا الحكومية المهترئة أو كم واحدًا منهم فكر فعلًا أن يرسل أبناءه إليها ولا أعرف كم منهم انتظر دوره في مستشفى حكومي أو اضطر إلى التعامل مع خدماته الصحية كما يفعل الناس الذين يدفعون من جيوب فقرهم ثمن تأمين صحي لهم في المستشفيات الخاصة ينعمو به هم وأبناؤهم الذين بظني لم يختبروا أصلًا كيف تبدو الحياة خارج امتيازاتهم
أبناؤنا يدرسون سنوات طويلة من الكد من ثم يقضون سنوات أطول في انتظار الوظيفة يقدمون الطلبات ويدخلون الامتحانات ويراقبون الإعلانات ويطاردون فرصة قد لا تأتي ، بعضهم يحتاج إلى أكثر من نصف قرن بالمعنى الذي تختصره سنوات العمر الضائعة، في الانتظار حتى يشعر أن له مكانًا في سوق العمل ، وفي المقابل هناك من لا يحتاج إلا أن تهبط طائرته في المطار ، حتى تبدأ أمامه الفرص أو يجد الطريق ممهدا إلى المواقع التي عرفها أبوه أو يعرفها محيطه الطبقي .
وهنا في اعتقادي تتجاوز المسألة وزيرًا بعينه أو تعديلًا حكوميًا بعينه، لأنها تمس أصل العلاقة بين (الفرد والسلطة _ وبين السلطة والمجتمع ) فحين يعيش صاحب القرار بعيدًا عن تفاصيل حياة الناس ، تصبح السلطة شيئًا فوق المجتمع بدل أن تكون جزءًا منه ، ويصبح المواطن حاضرًا حين يُطلب صوته وغائبًا حين يبدأ القرار ليُدفع جراء ذلك إلى حالة من الاغتراب
لهذا لم يعد السؤال بالنسبة لي من سيغادر الحكومة ومن سيدخلها ، بل السؤال الأهم هل يعرف القادمون إلى مواقع القرار شيئًا حقيقيًا عن حياة الذين يتخذون القرارات باسمهم !
ولعل هذا السؤال لا يأتي من فراغ، وإنما من تراكم طويل لتفاصيل الحياة التي يعيشها جيل الانتظار ، ففي دروب البؤس تتراكم هذه التفاصيل الصغيرة وتتناسَل منها أسئلة أكبر حول المفاهيم التي تبدو بعيدة عن حياتنا اليومية، أسئلة عن العدالة والسلطة والمواطنة ومعنى الدولة نفسها، حتى تتشكل في الذات مساحة من الحيرة والقلق يصبح فيها المواطن أمام سؤال لا يتعلق فقط بالسياسات العامة ، بل بما إذا كان يشعر أصلًا أنه جزء من هذه السلطة ..
وعندها يغدو عرف تغيير الوجوه أقل أهمية من تغيير النظرة إلى الناس وإلى معنى أن تكون السلطة مسؤولة أمام مجتمعها ، وربما لهذا السبب تحديدًا لم يعد شيء يستفز الاهتمام أكثر من هذا القدر من احساس اللامبالاة في ذات قلقة …

