حين يتحول الخوف إلى «استقرار»… يخسر الوطن قبل المواطن!

3 د للقراءة
3 د للقراءة
حين يتحول الخوف إلى «استقرار»... يخسر الوطن قبل المواطن!

صراحة نيوز – بقلم: د. ثابت المومني

الدولة القوية لا تخشى السؤال، ولا تعتبر النقد خصومة، ولا تحتاج إلى تكميم الأفواه لإثبات هيبتها؛ فـهيبة الدولة تُبنى بسيادة القانون، والعدالة، واحترام الدستور، وثقة المواطن بمؤسسات وطنه. وأخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع أن يصبح الصمت معيارًا للوطنية، والسؤال موضع شبهة، والنقد سببًا للتضييق؛ لأن إسكات الكلمة لا يلغي المشكلة، وإخفاء الخلل لا يعني إصلاحه. وفي الأردن، فإن تمسكنا بحرية الرأي والنقد المسؤول ينطلق من احترام الدولة ودستورها وقوانينها، ومن إيماننا بأن السؤال والمساءلة والشفافية أدوات لحماية الوطن لا للنيل منه.

الوطن الذي نريده هو وطن القانون والمؤسسات؛ وطن يستطيع فيه المواطن أن يسأل: أين الخلل؟ من المسؤول؟ أين ذهبت الأموال العامة؟ ولماذا أخفق هذا المشروع أو ذاك؟ وأن يتلقى جوابًا واضحًا يستند إلى الحقائق والأرقام، ما دام سؤاله ونقده في إطار الدستور والقانون، بعيدًا عن التشهير أو الإساءة أو التحريض.
فالكاتب والمفكر والمتخصص الذي يكشف خللًا بالحجة والدليل ليس خصمًا للدولة، بل قد يكون صوته جرس إنذار يحميها من استمرار الخطأ وتفاقمه. ولهذا فإن الدولة القوية لا تخاف من الكلمة؛ بل تخاف من الخطأ الذي يبقى بلا تصحيح، ومن الفساد الذي يبقى بلا محاسبة، ومن الحقيقة التي تُدفن حتى تنفجر آثارها لاحقًا. فإسكات النقد لا يصنع نجاحًا، وإخفاء المشكلة لا يحلها، والخوف لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن الثقة.
وفي الأردن، كفل الدستور حرية الرأي ضمن أحكام القانون، ولذلك فإن موقفنا واضح: لا للتحريض، ولا للتشهير، ولا للإساءة، ولا لتجاوز القانون؛ وفي الوقت ذاته، لا ينبغي أن يتحول السؤال المشروع أو النقد الموضوعي إلى سبب للتخويف أو التضييق. فالوطنية الحقيقية ليست في الصمت عن الأخطاء، وإنما في كشفها والسعي إلى تصويبها بالوسائل القانونية والمؤسسية، ووضع مصلحة الأردن فوق المصالح والأشخاص.
والبرلمان بدوره لا تستمد قيمته من المقاعد والقبة وحدهما، وإنما من قدرته على ممارسة مسؤولياته الدستورية في التشريع والرقابة والمساءلة وتمثيل المواطنين. فالبرلمان القوي لا يضعف الدولة، والمساءلة لا تهدم مؤسساتها، بل إن الرقابة الحقيقية والمحاسبة العادلة من أهم وسائل حماية الدولة والمال العام ومنع الفساد وسوء الإدارة.
وأخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع أن يعتاد الصمت حتى يصبح الخطأ أمرًا طبيعيًا، أو أن تُمحى ذاكرته فينسى إخفاقات الأمس أمام وعود اليوم. فالشعوب الواعية تحفظ الوقائع، وتقارن الأرقام، وتسأل عن النتائج، وتحاسب وفق القانون؛ لأن المواطن ليس مجرد رقم أو صوت أو تصفيق، بل شريك في وطن له حقوق وعليه واجبات.
الأردن الذي نحبه لا يحتاج إلى مواطن يخاف أن يسأل، بل إلى مواطن واعٍ، ومسؤول شجاع يجيب، وبرلمان يراقب، ومؤسسات قوية لا تخشى الحقيقة. فالخوف لا يصنع استقرارًا راسخًا، والصمت لا يصنع إصلاحًا، وتكميم الأفواه لا يمحو الحقائق. أما الدولة التي تسمع أبناءها، وتجيب عن أسئلتهم، وتحاسب المقصر، وتطبق القانون بعدالة على الجميع، فهي الدولة الأقدر على حماية استقرارها وهيبتها ومستقبلها.
حمى الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، وجعل سيادة القانون والعدل والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

شارك هذا المقال