المواطن يُبعَد… فمن يحجب صوت الأردني عن العرش؟!

7 د للقراءة
7 د للقراءة
المواطن يُبعَد… فمن يحجب صوت الأردني عن العرش؟!

صراحة نيوز- المحامي حسام العجوري

في مدينة الرمثا، وبينما كانت الأهازيج الوطنية تصدح احتفاءً بالأردن وأعياده ومناسباته الوطنية، كان هناك مشهد آخر يستحق أن نتوقف عنده أكثر من أي خطاب، لأنه يحمل رسالة أكبر من لحظته.

أقام النائب السابق فواز الزعبي، مساء السبت، احتفالًا وطنيًا برعاية رئيس الديوان الملكي الهاشمي السيد يوسف حسن العيسوي، وبحضور عدد من النواب والأعيان والشخصيات الوطنية.

وفي خضم الاحتفال، حاول أحد المواطنين الاقتراب من رئيس الديوان الملكي ليسلّم عليه.

لحظة بسيطة جدًا…

لكن ما حدث بعدها كان كافيًا لفتح سؤال كبير:

لماذا يُبعَد المواطن؟!

فقد تدخل نائب سابق وأبعد المواطن عن رئيس الديوان، قبل أن يستدرك السيد يوسف العيسوي الموقف، فيعيد المواطن إليه، ويصافحه، بل ويدعوه إلى زيارة الديوان الملكي العامر في اليوم التالي.

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف.

لأن المسألة ليست مصافحة.

وليست قضية شخص أراد أن يسلّم على مسؤول.

إنها صورة مصغرة عن العلاقة التي يجب أن تبقى راسخة بين الدولة والمواطن.

المواطن الأردني ليس شخصًا يجب إبعاده عن أبواب الدولة.

هو صاحب حق في أن يُسمع.

صاحب حق في أن يقول إن لديه شكوى.

صاحب حق في أن يحمل مظلمة.

صاحب حق في أن يشرح معاناته.

وصاحب حق في أن يشعر أن أبواب الدولة ليست مغلقة في وجهه.

الأخطر من ذلك أن يتحول بعض من حول المسؤولين إلى ما يشبه الحاجز بينهم وبين الناس؛ فيصبح المواطن الذي جاء ليشرح همّه مصدر إزعاج، وتصبح شكواه عبئًا، ويصبح الاقتراب من المسؤول وكأنه تجاوز للبروتوكول.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالملك لا يحتاج إلى من يحجب عنه الأردنيين.

وجلالة الملك عبدالله الثاني لم يبنِ علاقته مع شعبه على الجدران والحواجز، وإنما على التواصل، والاستماع، والوقوف على هموم الناس.

ومن أخطر الأخطاء أن يعتقد أحد أن حماية هيبة الدولة تكون بإبعاد المواطن.

هيبة الدولة لا تُبنى بإبعاد الناس.

هيبة الدولة تُبنى عندما يشعر المواطن أن كرامته مصانة وأن صوته مسموع.

وهنا يأتي موقف السيد يوسف العيسوي مختلفًا.

فالعيسوي، الذي أمضى سنوات طويلة في رحاب الديوان الملكي الهاشمي، يعرف جيدًا معنى المدرسة الهاشمية، ويعرف أن الديوان ليس مجرد مؤسسة رسمية، بل هو أحد الأبواب التي يلجأ إليها الأردني عندما تضيق به السبل.

ولذلك، عندما رأى المواطن يُبعَد، لم يترك المشهد يستمر.

استدرك الأمر.

أعاد المواطن.

صافحه.

ثم دعاه إلى زيارة الديوان الملكي العامر.

وهنا ظهر الفرق بين من يرى المواطن مشكلة… ومن يرى المواطن صاحب حق.

هذه هي القيم الهاشمية التي نريدها.

وهذا هو السلوك الذي يطمئن الأردني.

أن يجد المسؤول الذي يستمع إليه، لا المسؤول الذي يبحث عن طريقة لإبعاده.

أن يجد الباب مفتوحًا، لا أن يجد أمامه سلسلة من الحواجز البشرية.

أن يشعر أن شكواه يمكن أن تصل، لا أن تُدفن قبل أن تصل.

ولذلك، فإن الرسالة اليوم ليست موجهة إلى العيسوي، الذي أعاد تصحيح المشهد بموقف بسيط لكنه عميق الدلالة، وإنما هي رسالة إلى كل من يقف بين المسؤول والمواطن:

لا تكونوا جدارًا بين الملك وشعبه.

لا تختصروا هموم الأردنيين.

لا تقرروا مسبقًا ما الذي يستحق أن يصل وما الذي لا يستحق.

لا تبعدوا المواطن ثم تقولوا إننا نحمي البروتوكول.

فالبروتوكول وُجد لتنظيم العمل، وليس لمنع الناس من الوصول إلى أصحاب القرار.

والملك، قبل أن يكون رأس الدولة، هو ملك الأردنيين جميعًا؛ يسمع لهم، ويعرف همومهم، ويتابع قضاياهم.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله بعض المحيطين بمؤسسات الدولة هو أن يصنعوا مسافة وهمية بين العرش والشعب.

الملك لا يريد أن يُحجب عنه صوت الأردنيين.

ولا يريد أن تصل إليه صورة مصقولة لا تشبه واقع الناس.

يريد الحقيقة.

يريد أن يعرف أين الخلل.

من يعاني.

من ظُلم.

من تعطلت معاملته.

من أُغلقت في وجهه الأبواب.

ومن يحتاج إلى أن يسمعه أحد.

وهنا يجب أن نفهم معنى الديوان الملكي العامر.

إنه ليس مكانًا للنخب وحدها.

وليس بابًا لكبار المسؤولين فقط.

بل يجب أن يبقى، في وجدان الأردني، بيتًا مفتوحًا لكل صاحب حاجة مشروعة، ولكل مواطن يريد أن يوصل صوته.

ولذلك كان مشهد إعادة المواطن ودعوته إلى الديوان أجمل من محاولة إبعاده.

لأن الرسالة التي خرجت من الموقف واضحة:

الأردني يُسمَع… ولا يُبعَد.

وإذا كان هناك من يظن أن المواطن عندما يقترب من مسؤول يسبب إحراجًا، فعليه أن يعيد حساباته.

المواطن ليس إحراجًا.

المواطن هو صاحب المصلحة.

المواطن هو الذي يدفع ثمن الأخطاء.

والمواطن هو أول من يشعر عندما تنحرف البوصلة.

ومن هنا نقولها بصراحة:

لا تحجبوا المواطن عن الديوان، ولا تجعلوا أنفسكم أوصياء على المسافة بين الأردني وعرشه.

فالأردن لم يقم على الحواجز.

وقوة العرش الهاشمي لم تكن يومًا في إبعاد الناس، بل في قربه منهم.

وهذا ما يجعل موقف جلالة الملك عبدالله الثاني محل احترام الأردنيين؛ لأنه يؤكد دائمًا أن الدولة للناس، وأن كرامة المواطن ليست تفصيلًا ثانويًا.

وحين يكون هناك مسؤول يفتح الباب أمام المواطن، فإننا يجب أن نشكره.

وحين يكون هناك من يغلق الباب في وجهه، فعلينا أن نسأل:

لماذا؟

فقد يكون وراء ذلك مواطن يحمل وجعًا لا يعرفه أحد.

وقد تكون وراء ذلك قصة مظلوم لم يجد من يسمعه.

وقد يكون وراء ذلك حق ضائع ينتظر فقط من يقول: تفضل… تحدث.

وفي النهاية، ربما كانت تلك اللحظة القصيرة في الرمثا أكبر من مجرد مصافحة.

المواطن يُبعَد… والعيسوي يعيده.

وفي هذه الجملة وحدها تختصر الحكاية كلها:

هناك من يرى في المواطن شخصًا يجب إبعاده…

وهناك من يعرف أن أبواب الهاشميين لا تُغلق في وجه الأردني.

حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحفظ الأردن وأهله، وأدام في مؤسسات الدولة رجالًا يعرفون أن أقصر طريق إلى ثقة الشعب هو الاستماع إليه، واحترامه، وعدم إبعاده.

شارك هذا المقال