الأردن أكبر من دائرة الأسماء

7 د للقراءة
7 د للقراءة
الأردن أكبر من دائرة الأسماء

صراحة نيوز – بقلم: فواز أرفيفان خالد الخريشا

الأردن لا يحتاج إلى تدوير الأسماء بقدر ما يحتاج إلى تغيير النهج، وإطلاق الطاقات، وصناعة الإنجاز. ومن هنا كان الأمل أن يأتي التعديل الوزاري بروح مختلفة، وأن يحمل معه رسالة واضحة بأن المرحلة تتطلب تغييرًا حقيقيًا في طريقة اختيار المسؤولين، لا مجرد تبديل في المواقع والحقائب. لكن التعديل لم يكن بالمستوى الذي كان ينتظره المواطن، ولم يحمل في نظر كثيرين ذلك التغيير الذي يتناسب مع حجم التحديات التي يعيشها الأردن.
وليس المقصود هنا انتقاد أشخاص بأسمائهم، فلكل من دخل الحكومة تاريخه وخبرته، وإنما السؤال عن الفكرة التي تقف خلف الاختيار: هل نريد حكومة جديدة بالأسماء فقط، أم حكومة جديدة في الأداء والعقلية والنتائج؟ لأن الوطن لا يتغير عندما تتغير الكراسي، وإنما عندما يتغير من يجلس عليها بعقل مختلف، ورؤية مختلفة، وقدرة حقيقية على الإنجاز.
لقد شهد الأردن خلال السنوات الماضية حكومات وتعديلات متلاحقة، وكثيرًا ما رأينا رئيس وزراء يأتي بفريق يعرفه ويثق به، وهذا أمر مفهوم من الناحية الشخصية، لكن الحكومة ليست دائرة أصدقاء، والحكم على الاختيار يجب أن يكون من خلال ما يقدمه المسؤول للوطن والمواطن. الأردن ليس شركة لأحد، والمناصب العامة ليست ملكًا لمن يتولاها. الثقة الشخصية مطلوبة، لكنها لا يجوز أن تكون أقوى من الكفاءة، ولا أن تتقدم العلاقة على مصلحة الوطن.
المشكلة ليست في أن يأتي شخص يعرفه رئيس الوزراء، وإنما في أن تصبح المعرفة معيارًا يتقدم على القدرة، وأن تبقى الكفاءات خارج دائرة الاختيار لأنها لا تملك مفتاح الدخول إليها. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كم من كفاءة أردنية بقيت في الظل لأنها لم تكن ضمن دائرة الأسماء المعتادة؟
والأردن ليس فقيرًا بالكفاءات. الأردن منجم ومنبع للكفاءات، لكنه يحتاج إلى من يكتشفه. في جامعاته ومؤسساته وقطاعه الخاص ومحافظاته وبين شبابه عقول تستطيع أن تحمل أصعب الملفات، وخبرات تستطيع أن تصنع حلولًا، وطاقات لا ينقصها سوى أن تُمنح الفرصة.
امنحوهم الثقة، وأعطوهم الصلاحية، واتركوهم يعملون، وستَرون. ففي هذا الوطن من يستطيع أن يحوّل الصعب إلى ممكن، والممكن إلى إنجاز، ومن لا يحتاج إلى منصب بقدر ما يحتاج إلى فرصة حقيقية يثبت فيها نفسه. افتحوا الأبواب أمام الكفاءات، ثم حاسبوها على النتائج؛ عندها سيتحدث الإنجاز عن أصحابه.
لكن القضية لا تتوقف عند أسماء الوزراء. فالمواطن يريد أن يعرف ماذا جنى من كل هذه التعديلات؟ ماذا تغير في حياته؟ هل أصبحت الأسعار أرحم؟ هل خفّت الفواتير؟ هل تحسنت قدرته على مواجهة أعباء الحياة؟ هل وجد أبناؤه فرصًا أفضل؟ أم أن الحكومات تتغير بينما يبقى المواطن في المكان نفسه، بل يزداد عليه الحمل عامًا بعد عام؟
خلال السنوات العشر الأخيرة ارتفعت الأعباء، وتراكمت الالتزامات، وبقيت المديونية حاضرة، وأصبح المواطن يواجه ارتفاع الأسعار والفواتير ومتطلبات الحياة بقدرة شرائية تتآكل. حتى بات كثير من الأردنيين لا يسألون عن الرفاهية، بل عن القدرة على تأمين الأساسيات.
وهنا يجب أن تكون الصراحة واجبة: لا يمكن أن يكون جيب المواطن هو الحل الدائم لكل أزمة. المواطن ليس خزينة مفتوحة، وليس بئرًا لا ينضب، ولا يجوز أن يتحول إلى البقرة الحلوب التي يُلجأ إليها كلما احتاجت الحكومة إلى إيرادات جديدة.
عندما تضيق الخيارات أمام الحكومة، يجب ألا يكون أول ما يُفتح هو جيب المواطن، بل ملفات الهدر، وكفاءة الإنفاق، وترتيب الأولويات، وجذب الاستثمار، وتوسيع الإنتاج، وحماية المال العام.
فالمال العام أمانة، وكل دينار يهدر هو حق ضائع، وكل قرار مالي غير رشيد سيدفع المواطن ثمنه عاجلًا أو آجلًا. والمسؤول الذي يتولى موقعًا عامًا يجب أن يعرف أنه مؤتمن على مقدرات وطن، وأن الوزارة مسؤولية وليست وجاهة.
نريد وزيرًا يشعر بالمواطن قبل أن يطلب منه المزيد. نريد مسؤولًا يعرف معنى أن يصل رب الأسرة إلى نهاية الشهر وهو يحسب ما تبقى من راتبه على فواتيره والتزاماته. نريد حكومة لا تشرح للمواطن أسباب المشكلة فقط، بل تبحث عن طريق للخروج منها.
فالمواطن لا يريد المزيد من الكلام. هو يعرف أن الظروف صعبة، ويعرف أن المنطقة مضطربة، ويعرف أن المديونية كبيرة. لكنه يريد أن يسمع سؤالًا واحدًا من الحكومة: ماذا نستطيع أن نفعل؟
وهنا تظهر قيمة المسؤول الحقيقي؛ فالمسؤول ليس من يجيد وصف المشكلة، وإنما من يمتلك الشجاعة للبحث عن الحل.
والتعديل الوزاري الحقيقي يجب أن يبدأ من هذه النقطة: اختيار من يستطيع أن يعمل، لا من اعتدنا أن نراه. اختيار من لديه رؤية، ومن يمتلك قدرة على اتخاذ القرار، ومن يعرف كيف يحول الإمكانات المحدودة إلى نتائج ملموسة.
لسنا ضد الخبرة، ولا ندعو إلى إقصاء أحد. الخبرة ثروة، لكن الخبرة وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى إنجاز. والشباب ليسوا مجرد أعمار صغيرة، بل طاقة يجب أن تُختبر وتُمنح الفرصة. والمعيار في النهاية واحد: ماذا يستطيع الإنسان أن يقدم للأردن؟
فليكن الاستمرار للإنجاز، والمحاسبة على التقصير، والاختيار للكفاءة.
والنقد البناء لا يعني الهدم، وإنما يعني أن نضع الخلل أمام الحكومة بوضوح، وأن نقول ما نراه دون مجاملة، لأن المواطن لم يعد يحتمل أن تتكرر السياسات نفسها ثم يُطلب منه انتظار نتائج مختلفة.
لقد صبر المواطن كثيرًا، وتحمل كثيرًا، ودفع كثيرًا، وليس من العدل أن يبقى هو الطرف الذي يدفع ثمن كل أزمة. الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من داخل الحكومة نفسها، ومن طريقة اختيار المسؤول، ومن كيفية إدارة المال العام، ومن القدرة على تحويل الخطط إلى واقع.
لذلك، فإن ما نحتاجه ليس تعديلًا يغيّر أسماء الوزراء فقط، وإنما تعديلًا يغيّر طريقة التفكير والعمل.
نريد حكومة ترى المواطن شريكًا لا مصدرًا دائمًا للإيرادات، وترى المال العام أمانة، وترى الكفاءة الأردنية ثروة وطنية، وتعرف أن الوقت الذي يضيع لا يعود.
الأردن أكبر من الأشخاص والحكومات، وأكبر من دائرة الأسماء. هذا الوطن يستحق أن تُستخرج كنوزه البشرية، وأن تُفتح الأبواب أمام كفاءاته، وأن تُمنح الطاقات فرصتها كاملة.
فليكن معيار المرحلة واضحًا:
لا صداقة فوق الكفاءة، ولا قرابة فوق مصلحة الوطن، ولا منصب فوق المحاسبة، ولا مال عام فوق المساءلة.
آن الأوان أن نكتشف كفاءات الأردن، وأن نمنحها الثقة والصلاحية، وأن نتركها تعمل، ثم نحكم عليها بالنتائج لا بالأسماء.
حمى الله الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وولي عهده الأمين.

شارك هذا المقال