صراحة نيوز- د.عبد الفتاح طوقان
حين يصبح وزير واحد مسؤولًا عن التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من هو الوزير؟ بل: هل يستطيع شخص واحد، مهما بلغت كفاءته وخبرته، أن يدير كل هذه الملفات بكفاءة وعمق ومتابعة؟ وهل الدمج في حد ذاته إصلاح، أم أنه قد يتحول إلى تضخم إداري تحت مسمى جديد؟
القضية هنا ليست انتقادًا لشخص الوزير أو تشكيكًا في قدراته، وإنما مناقشة لفلسفة إدارية. فالإدارة الحديثة لا تُقاس بعدد الوزارات التي ندمجها أو المناصب التي نختصرها، بل بوضوح المسؤوليات، وسرعة اتخاذ القرار، وكفاءة التنفيذ، وإمكانية المحاسبة، والأهم بالنتائج التي يلمسها المواطن.
التربية والتعليم وحدها ليست حقيبة بسيطة. إنها المدارس والمعلمون والطلبة والمناهج والامتحانات والتوجيهي والأبنية المدرسية والتعليم المهني والتحول الرقمي وتدريب المعلمين وجودة التعليم. وهي قطاع يتعامل يوميًا مع مئات الآلاف من الأسر، ويصنع مستقبل أجيال كاملة.
ثم يأتي التعليم العالي والجامعات والبحث العلمي، بما يحمله من قضايا الاعتماد والجودة والتمويل وسياسات القبول والتخصصات الأكاديمية واستقلال الجامعات وربط مخرجاتها باحتياجات الاقتصاد.
وبعد ذلك نضيف إلى الوزير نفسه مسؤولية تنمية الموارد البشرية!
وهنا تبدأ الأحجية.
تنمية الموارد البشرية، بمفهومها الحقيقي، ليست عنوانًا ملحقًا بالتعليم، بل مشروع وطني واسع يشمل التدريب والتأهيل، وتنمية المهارات، والتعليم التقني والمهني، واحتياجات سوق العمل، وإعادة تأهيل القوى العاملة، ورفع الإنتاجية، واستشراف وظائف المستقبل، والتعامل مع التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
أي أننا جمعنا تحت مظلة واحدة جزءًا كبيرًا من مسؤولية الدولة عن بناء الإنسان منذ دخوله المدرسة وحتى انتقاله إلى سوق العمل.
فهل هذا تبسيط للإدارة أم تعقيد لها؟
قد يقال إن الدمج يحقق التكامل بين المدرسة والجامعة وسوق العمل. والفكرة تبدو منطقية نظريًا، لكن التكامل لا يعني بالضرورة أن توضع جميع الملفات تحت سلطة وزير واحد. يمكن تحقيق التكامل من خلال استراتيجية وطنية موحدة، ومجلس تنسيقي فعال، وقواعد بيانات مشتركة، ومؤشرات أداء واضحة، وتوزيع دقيق للمسؤوليات.
فإذا كان مجرد الترابط بين القطاعات مبررًا للدمج، فلماذا لا ندمج الصحة والتنمية الاجتماعية لأن الفقر يؤثر في الصحة؟ ولماذا لا نضع التعليم والعمل والصناعة في وزارة واحدة لأن المصانع تحتاج إلى خريجين؟ ولماذا لا نجمع الاستثمار والصناعة والتجارة والعمل تحت حقيبة واحدة لأن جميعها تخدم الاقتصاد؟
هناك نقطة يصبح عندها الدمج عبئًا بدل أن يكون إصلاحًا.
والأهم من ذلك قضية المساءلة. عندما تتراجع جودة التعليم المدرسي، من المسؤول؟ وعندما تواجه الجامعات مشكلات، من يحاسب؟ وعندما لا تتوافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، أين يقع الخلل؟ في المدرسة، أم الجامعة، أم التدريب المهني، أم سياسات تنمية الموارد البشرية؟
كلما اتسعت الحقيبة وتشعبت اختصاصاتها، ازدادت احتمالات تشتت الأولويات وضياع المسؤولية بين المديريات والمجالس والهيئات.
الوزير الناجح ليس من يحمل أكبر عدد من الملفات، بل من يمتلك الوقت والصلاحيات والقدرة على التركيز والمتابعة واتخاذ القرار والمحاسبة. فالوزير ليس مجرد عنوان سياسي أعلى هرم إداري؛ عليه أن يضع السياسات، ويتابع التنفيذ، ويزور الميدان، ويستمع للمعلمين والجامعات والطلبة والقطاع الخاص، ويقيس النتائج ويحاسب على التقصير.
وهنا يحق لنا أن نسأل: كم ساعة يحتاجها وزير واحد يوميًا ليتابع المدارس والجامعات والبحث العلمي والتعليم المهني وتنمية الموارد البشرية بجدية؟
الأردن لا يحتاج إلى وزارة أكبر، بل إلى تعليم أفضل. يحتاج إلى معلم أفضل تأهيلًا، ومدرسة أكثر كفاءة، وجامعة أعلى جودة، وتعليم مهني مرتبط فعليًا بالاقتصاد، وبحث علمي منتج، وخريج يمتلك المهارات التي يحتاجها سوق العمل.
كما أن تنمية الموارد البشرية ليست مسؤولية وزارة واحدة، بل مسؤولية مشتركة بين التعليم والعمل والاقتصاد والصناعة والاستثمار والقطاع الخاص. ووضع هذا المفهوم الوطني الواسع داخل حقيبة واحدة لا يعني تلقائيًا أن مشكلة التنسيق قد حُلّت.
لذلك يجب ألا نقيس نجاح الدمج بعدد المناصب التي اختفت أو المسميات التي تغيرت، وإنما بسؤال واضح: ماذا سيضيف هذا القرار للطالب والمعلم والجامعة وسوق العمل؟
القضية ليست في شخص الوزير. فقد يكون على أعلى درجات الكفاءة والخبرة والنزاهة، لكن الإدارة الرشيدة لا تُبنى على افتراض وجود شخص استثنائي يستطيع أداء مهام عدة وزراء في وقت واحد.
لقد جمعنا المدرسة والجامعة والبحث العلمي والتعليم المهني وتنمية الموارد البشرية تحت سقف واحد. ويبقى السؤال:
هل صنعنا وزارة أكثر كفاءة، أم صنعنا وزارة أكبر من أن يستطيع وزير واحد إدارتها؟
فالغاية ليست أن يكون لدينا وزراء أقل، بل أن يكون لدينا تعليم أفضل، ومسؤوليات أوضح، ومحاسبة أقوى، ونتائج تليق بالأردن وأبنائه
aftoukan@yahoo.com

