حين يلبَس الحق بالباطل

4 د للقراءة
4 د للقراءة
حين يلبَس الحق بالباطل

صراحة نيوز –  المستشار / جميل سامي القاضي

﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 42]
ليست هذه الآية الكريمة مجرد توجيه لزمن مضى، بل هي رسالة ربانية تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتنطبق على نمط من البشر يظهر في كل مجتمع، وفي كل مرحلة، كلما تعارضت الحقيقة مع المصالح، أو اصطدمت المواقف بالمكاسب.
إنها فئة تعرف الحقيقة، لكنها لا تريد أن تقولها كاملة؛ فتأخذ من الحق ما يخدمها، وتضيف إليه من الباطل ما يبرر موقفها، ثم تقدم للناس رواية مشوهة تبدو في ظاهرها مقنعة، بينما حقيقتها ليست سوى محاولة لخلط الأوراق وإرباك المشهد.
والمشكلة ليست دائماً فيمن يجهل الحقيقة، فجهل الإنسان قد يعذر بالتعلم والسؤال، وإنما الخطر فيمن يعلم ثم يكتم، ويدرك ثم يزوّر، ويرى الحقيقة واضحة ثم يختار أن يقدم للناس غيرها.
هؤلاء لا يحتاجون إلى إنكار الحق صراحة؛ يكفيهم أن يخلطوه بالباطل حتى يفقد الناس القدرة على التمييز بينهما. وقد تكون أخطر وسائل التضليل أن تقال نصف الحقيقة، لأن نصف الحقيقة حين يقدم باعتباره الحقيقة كاملة يصبح أكثر قدرة على خداع الناس من الكذب الصريح.
وفي واقعنا، تظهر هذه الفئة بأشكال متعددة:
من يغير موقفه بحسب مصلحته، ومن يرفع شعار المبادئ حين تخدمه، ثم يتخلى عنها عندما تصبح عبئا عليه، ومن يطالب بالشفافية وهو أول من يخفي المعلومات، ومن يتحدث عن القانون عندما يكون في صالحه، ثم يبحث عن الاستثناءات عندما لا يكون كذلك.
وهنا تصبح الآية ميزانا أخلاقيا لا غنى عنه: لا تخلطوا الحق بالباطل، ولا تكتموا الحقيقة وأنتم تعلمون.
فالحق لا يحتاج إلى تزيين مصطنع، والباطل لا يصبح حقا بكثرة من يروج له، والحقيقة لا تتغير لأن بعض أصحاب المصالح قرروا إعادة صياغتها بما يتناسب مع رغباتهم.
والأخطر من ذلك أن يتحول خلط الحق بالباطل إلى منهج، فيصبح تزييف الوقائع ذكاءً،والمراوغة حنكة، والصمت عن الحقيقة حكمة، والتلون في المواقف سياسة.
لكن الحقيقة تبقى حقيقة، مهما طال عليها زمن التزييف ، وقد ينجح الإنسان في إقناع الناس لبعض الوقت، وقد يستطيع أن يصنع حول الباطل ضجيجا كبيرا، لكنه لن يستطيع أن يغير حقيقة الأشياء ، فالتاريخ لا يحفظ كثرة الأصوات بقدر ما يحفظ المواقف، ولا يخلد أصحاب الأقنعة، بل يكشفهم عندما تسقط المصالح التي صنعت تلك الأقنعة.
لذلك، فإن المسؤولية الأخلاقية لا تقع على من يقول الحقيقة فقط، بل أيضا على من يعرفها ثم يختار الصمت عنها، وعلى من يرى الباطل يقدم للناس في ثوب الحق ولا يحاول أن يضع الأمور في نصابها.
وفي زمن كثرت فيه الروايات وتعددت الأصوات، لم يعد المطلوب أن نصدق كل ما يقال، ولا أن نرفض كل ما يقال، وإنما أن نمتلك شجاعة التمييز.
فليس كل من تحدث عن الحق من أهله، وليس كل من رفع شعار المبادئ ملتزما بها، وليس كل صمت حكمة، وليس كل ضجيج دليلا على الحقيقة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يضعه كل إنسان أمام ضميره:حين تعرف الحقيقة… هل تملك شجاعة قولها، أم تملك مهارة إخفائها وخلطها بالباطل؟
فالآية لم تقل فقط: لا تقولوا الباطل، وإنما حذرت من أمرٍ أكثر خطورة: أن نعرف الحق، ثم نخلطه بالباطل، ونكتمه ونحن نعلم.

شارك هذا المقال