من إربد إلى الجيزة صرخة أطفالنا لم تُسمع… والدماء تملأ الشوارع ..

4 د للقراءة
4 د للقراءة
من إربد إلى الجيزة صرخة أطفالنا لم تُسمع... والدماء تملأ الشوارع ..

صراحة نيوز – رامي المشاقبة يكتب

“ما عادَ في بيوتنا غيرُ الصدى
وصوتُ طفلٍ غابَ الأمانُ عن طريقهِ”

من حق أي مجتمع أن يتوقف ويسأل: ما هي أولوياتنا اليوم؟ وهل السياسات التي نتبناها تعكس حاجة المواطن وأمنه وسلامة أسرته؟
شعار أن أمن المواطن وكرامته أولوية وطنية يجب أن يتحول من كلام إلى فعل، ومن وعد إلى إجراءات واضحة على الأرض.

لقد قال باني النهضة الأردنية الحديثة المغفور له الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه: “الإنسان أغلى ما نملك”.
هذه الجملة يجب أن تكون بوصلة كل قرار وكل سياسة وكل برنامج. فإذا لم يكن الإنسان في المقدمة، فعن أي تنمية وكرامة نتحدث ؟

خلال السنوات الماضية دخل الأردن في تفاهمات وبرامج مع جهات دولية ومنظمات مانحة تحت عناوين التنمية والدعم والتمكين.
وفي ظاهرها كانت نوايا طيبة، ولكن في تفاصيلها حملت شروطاً وتعديلات مست التعليم والأسرة وبعض التشريعات.
ومع الوقت لاحظنا تراجع حضور الدولة في بعض الملفات، وسحب صلاحيات من مؤسسات محلية كانت قادرة على أن تكون أقرب للناس وأكثر استجابة.

أما في الشارع فالصورة كانت أكثر إيلاماً. تكررت حوادث اعتداء الكلاب الضالة على الأطفال والنساء.
في إربد قبل أسبوعين تعرض طفل للنهش وتقطعت أوصاله. وتكررت في إربد يوم أمس توفي طفل دهساً وهو يحاول الهرب من الكلاب الضالة التي طاردته. وفي الجيزة فقدنا طفلاً بعد أن تعرض للنهش. وغيرها من الحوادث التي لم تعد تُعد. هذه ليست أرقاماً في إحصائية، هذه أرواح وأسر توجعها الفاجعة وتسأل أين الحماية؟

وما جرى في المدارس مثال آخر على ذلك. شهدنا تغييرات في المناهج ودخول مفاهيم جديدة لا تتوافق مع قيمنا وعاداتنا .
والمطلوب كان جيلاً متعلماً نعم، ولكن أيضاً جيلاً متمسكاً بهويته ومنتمياً لوطنه.

وهنا يظهر التناقض الصارخ. نتحدث عن “حماية وتمكين” في الورش والتقارير، بينما في الواقع أطفالنا ونساؤنا غير محميين في الشارع. نطلب من الطفل أن يلتزم بمقاعد الدراسة بينما لا يجد أماناً في طريقه إليها. ونطلب من البلديات أن تحمي بينما تُقيد يدها. ونخصص الميزانيات لمؤتمرات وورش عمل، بينما المواطن ينتظر خدمة صحية وتعليماً أفضل وشارعاً آمناً.

المشكلة ليست في التعاون، المشكلة عندما تصبح شروطه هي البوصلة التي تحدد أولوياتنا.
عندما يصبح السؤال الأول قبل أي قرار هو ماذا يريد الممول بدل ماذا يحتاج المواطن، فنحن أمام خلل يجب معالجته.

الحل يبدأ بإعادة ترتيب البيت الداخلي.
نحتاج أن نعيد الصلاحيات للبلديات والمؤسسات المحلية لتواجه مشاكل الناس بشكل مباشر، وعلى رأسها معالجة ملف الكلاب الضالة بحلول جذرية مستدامة وليست حلولاً موسمية.
ونحتاج لمراجعة برامجنا ومناهجنا بما يضمن التطوير والتحديث دون المساس بثوابتنا وهوية أبنائنا.
كما نحتاج لتوجيه أي دعم أو تمويل إلى ما يلامس حياة الناس بشكل مباشر، إلى مدارس آمنة ومستشفيات قادرة وفرص عمل حقيقية وبنية تحتية تخدم المواطن.

أمن الطفل وهو ذاهب إلى مدرسته، وأمن الأسرة في بيتها، وأمن المجتمع في شوارعه، ليست أموراً ثانوية. هذه هي مسؤولية الدولة الأولى، وهذه هي المعيار الحقيقي لأي سياسة أو اتفاق أو برنامج.

الوطن لا يُبنى بالتقارير ولا بالمشاريع الورقية.
الوطن يُبنى عندما يشعر المواطن أن دولته معه، وأن أطفاله بأمان، وأن كرامته مصانة. فلنعد إلى الأصل، ولنجعل الإنسان أولاً.
فمن لم تكن سلامة الناس وكرامتهم أولويته، عليه أن يعيد النظر في مكانه ومسؤوليته.

شارك هذا المقال