صراحة نيوز – بقلم: المهندس سمير سليمان
هل نزرع أولًا ثم نبحث عن السوق، أم نعرف السوق أولًا ثم نزرع؟
السؤال بسيط، لكنه يلامس واحدة من أبرز تحديات الزراعة الأردنية. فالمشكلة ليست دائمًا في قدرة المزارع على الإنتاج، وإنما في الوصول إلى سوق مستقر وعادل يستوعب إنتاجه ويحقق له عائدًا مناسبًا.
في كثير من المواسم، يزرع المزارع ثم يبدأ البحث عن المشتري. وعندما تتكرر زراعة المحصول نفسه لدى أعداد كبيرة من المزارعين، يظهر فائض وينخفض السعر، ليتحول وفرة الإنتاج إلى مشكلة تسويقية.
لذلك نحتاج إلى الانتقال من تسويق الإنتاج إلى الإنتاج من أجل السوق.
التسويق الزراعي الحديث يبدأ قبل الزراعة، من خلال معرفة احتياجات الأسواق والكميات والمواصفات ومواعيد الطلب. وهنا يبرز الدور المأمول من الشركة الأردنية الفلسطينية لتسويق المنتجات الزراعية، بحيث لا تقتصر مهمتها على تصريف الإنتاج أو التصدير، وإنما تكون حلقة وصل حقيقية بين السوق والمزارع.
فالزراعة التعاقدية، مثلًا، يمكن أن تمنح المزارع قدرًا أكبر من الاستقرار، عندما يعرف مسبقًا الكميات المطلوبة والمواصفات وموعد التسليم وآلية التسعير، بدل أن ينتظر حتى نهاية الموسم للبحث عن مشترٍ.
كما أن التدريج والتعبئة والتبريد والتوحيد أصبحت عناصر أساسية للمنافسة، خصوصًا في الأسواق الخارجية. فالمنتج الجيد يحتاج أيضًا إلى مواصفات ثابتة وتعبئة مناسبة وقدرة على الاستمرار في التوريد.
ولا يعني ذلك أن الشركة هي الجهة الوحيدة التي تعمل في التسويق الزراعي. فقد بذلت جمعية منتجي ومصدري الخضار والفواكه جهودًا في فتح الأسواق، وحققت نتائج مهمة، كما تقدم جمعية التمور الأردنية تجربة تستحق الاستفادة منها في بناء هوية للمنتج، ورفع الجودة، وتوحيد جهود المنتجين، والوصول إلى الأسواق الخارجية.
هذه التجارب لا ينبغي أن تُرى باعتبارها منافسة للشركة، بل رصيدًا من الخبرة والعلاقات يمكن البناء عليه. فلكل جهة دورها، لكن المطلوب هو تكامل هذه الأدوار بدل تكرار الجهود.
وتتميز الشركة الأردنية الفلسطينية بامتلاكها مقومات مؤسسية ورأسمالية يمكن أن تمنحها قدرة أكبر على فتح الأسواق والاستمرار فيها، خاصة مع الدعم الحكومي. لكن هذه الميزة يجب أن تنعكس على المزارع والسوق، لا أن تبقى مجرد قدرة مالية.
وهنا تبرز الشفافية في التسويق والتسعير. فالمزارع من حقه أن يعرف تكلفة الجمع والتدريج والتعبئة والنقل والتسويق، وأن يعرف بوضوح كيف وصل المنتج إلى سعره النهائي، وما هو العائد الذي سيحصل عليه. فوضوح الكلفة وآلية التسعير يعززان الثقة بين المنتج والجهة التسويقية.
كما أن التعاونيات والقطاع الخاص والجمعيات المهنية يمكن أن تكون أطرافًا أساسية في هذه المنظومة؛ فالتعاونيات تجمع وتنظم، والجمعيات تمتلك الخبرة والعلاقات، والقطاع الخاص يمتلك الخبرة التجارية، بينما يمكن للشركة أن تؤدي دورًا تنسيقيًا وتسويقيًا أوسع.
المطلوب في النهاية ليس تحميل المزارع وحده مسؤولية اختلالات السوق، وإنما بناء منظومة تبدأ من احتياجات السوق وتنعكس على قرار الزراعة.
فنجاح التسويق الزراعي لا يقاس فقط بعدد الشحنات المصدرة، وإنما بقدرتنا على أن نعرف قبل الزراعة: ماذا نزرع، ولأي سوق، وبأي مواصفة، وفي أي وقت.
وعندما يبدأ التسويق قبل الزراعة، يصبح السوق جزءًا من القرار الزراعي، وليس محطة أخيرة بعد انتهاء الموسم.

