حين تصل «الحرية» إلى آبار النفط… لماذا تتوقف المبادئ حيث تنتهي المصالح؟

6 د للقراءة
6 د للقراءة
حين تصل «الحرية» إلى آبار النفط… لماذا تتوقف المبادئ حيث تنتهي المصالح؟

صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي

تُنسب إلى الكاتب والصحفي الساخر الإيطالي ميكيلي سيرا عبارة تختصر، بقسوة ساخرة، فصلًا كاملًا من تاريخ السياسة الدولية:

«الأمريكيون محظوظون للغاية؛ فأينما يذهبون لجلب الحرية، يجدون دائمًا النفط».

المفارقة ليست في الجملة وحدها.

المفارقة أن العالم سمع طوال عقود خطابًا أمريكيًا طويلًا عن الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحماية الشعوب، ومحاربة الطغاة، لكنه كان يجد في نهاية الطريق شيئًا آخر حاضرًا دائمًا في الخلفية:

النفط.

الغاز.

الموانئ.

المضائق.

طرق التجارة.

ومناطق النفوذ.

فهل هي مصادفة تتكرر بهذا الإصرار؟

أم أن المشكلة ليست في أن واشنطن تحمل الحرية معها، بل في أن الحرية نفسها تصبح أكثر إلحاحًا عندما تكون الأرض التي تحتاج إليها غنية بما يكفي؟

هنا يبدأ التناقض.

دول كثيرة في العالم عاشت الديكتاتورية، وبعضها شهد مذابح وحروبًا أهلية وانتهاكات لا تقل بشاعة عما شهدته دول تدخلت فيها الولايات المتحدة.

لكن حاملات الطائرات لم تتحرك بالسرعة نفسها.

ولم تُعقد اجتماعات طارئة بالزخم نفسه.

ولم تتحول مأساة الإنسان هناك إلى قضية أمن قومي أمريكي.

لماذا؟

ربما لأن بعض المظلومين يولدون فوق النفط، فيما يولد آخرون فوق أرض لا يطلبها أحد.

هذه هي الحقيقة القاسية في السياسة الدولية:

ليس كل إنسان مضطهدًا بالقدر نفسه في حسابات القوى الكبرى.

في العراق، قُدّم إسقاط نظام صدام حسين عام 2003 تحت عنوان أسلحة الدمار الشامل وتحرير العراقيين.

سقط النظام.

ولم تُعثر على المخزونات التي صُورت للعالم باعتبارها الخطر الذي لا يحتمل الانتظار.

لكن النفط بقي.

والقواعد بقيت.

والنفوذ بقي.

والعراق نفسه دفع ثمنًا هائلًا من الدم والخراب والانقسام.

وهنا يصبح السؤال مؤلمًا:

إذا كان العراق دولة فقيرة في وسط إفريقيا، لا نفط فيها ولا موقع استراتيجي ولا ثروة تحت الأرض، هل كانت واشنطن ستكتشف بالسرعة نفسها أن شعبه بحاجة إلى الحرية؟

وفنزويلا مثال آخر.

سنوات طويلة من العقوبات والضغوط والصراع السياسي تحت عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهي، بالمصادفة أيضًا، تجلس فوق أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم.

أما إيران، فليست بالنسبة إلى الولايات المتحدة مجرد خصم سياسي.

إنها دولة تمتلك النفط والغاز وتطل على مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره جزء بالغ الحساسية من تجارة الطاقة العالمية.

ولهذا يصبح الصراع معها أوسع بكثير من الخلاف على الشعارات.

إنه صراع على من يمتلك القدرة على تهديد تدفق الطاقة، وعلى من يقرر أمن الخليج، وعلى من يرسم حدود النفوذ بين آسيا والشرق الأوسط.

لكن التناقض الأمريكي يصبح أكثر وضوحًا حين نقارن بين ما تقوله واشنطن وما تفعله.

فهي تتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، لكنها تتحالف أحيانًا مع أنظمة لا تمثل نموذجًا ليبراليًا للديمقراطية.

تتحدث عن القانون الدولي، ثم تعيد تفسيره حين يصطدم بمصالحها.

تتحدث عن حقوق الإنسان، لكنها تعرف جيدًا متى ترفع هذا الملف، ومتى تضعه في الدرج.

تفرض العقوبات باسم القيم.

ترفع العقوبات باسم المصالح.

تحتضن خصم الأمس إذا تغيّرت الحسابات.

وتتخلى عن حليف الأمس إذا أصبح عبئًا.

وفي السياسة الأمريكية، تبدو بعض المبادئ أحيانًا وكأن لها مفتاح تشغيل وإطفاء.

حين تخدم المصالح تصبح مقدسة.

وحين تعطل المصالح تصبح قابلة للتأجيل.

هذه ليست سذاجة أمريكية، بل منطق قوة.

فالولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، ولا تتحرك جيوش الدول الكبرى لتوزيع الديمقراطية مجانًا.

كل قوة عظمى تسأل قبل أن تتحرك:

ماذا سأربح؟

ماذا سأمنع خصمي من أن يربح؟

أي طريق سأسيطر عليه؟

أي سوق سأحمي؟

وأي نفوذ سأوسع؟

وهنا ينبغي أن نكون منصفين.

روسيا تفعل الشيء نفسه عندما تتحدث عن أمنها القومي ومجالها الحيوي.

والصين لا تمد طرقها وموانئها واستثماراتها الضخمة بعيدًا عن حسابات النفوذ.

والقوى الأوروبية والإقليمية لا تخلو سياساتها من المنطق ذاته.

لكن الولايات المتحدة تختلف في نقطة جوهرية:

أنها لا تقدم نفسها للعالم باعتبارها قوة تبحث عن مصالحها فقط، بل باعتبارها حاملة رسالة أخلاقية كونية.

وهنا يصبح التناقض أكثر استفزازًا.

لأن المشكلة ليست أن دولة عظمى تسعى إلى مصالحها.

هذا مفهوم في العلاقات الدولية.

المشكلة أن تُقدَّم المصلحة بملابس المبدأ.

أن يصبح النفط «ديمقراطية».

وأن تصبح القاعدة العسكرية «حماية للشعوب».

وأن يصبح الصراع على الممرات البحرية «دفاعًا عن النظام الدولي».

وأن تتحول السيطرة على مصادر الطاقة إلى معركة أخلاقية بين الخير والشر.

وهنا تحديدًا تصبح سخرية ميكيلي سيرا أكثر من نكتة.

إنها سؤال سياسي كامل.

لماذا تبدو بعض الشعوب بحاجة عاجلة إلى الحرية عندما تجلس فوق حقول النفط، بينما يمكن لشعوب أخرى أن تنتظر عقودًا دون أن تصل إليها جيوش المنقذين؟

ولماذا ترتفع حرارة الخطاب الأخلاقي كلما اقتربت الخريطة من النفط والغاز والمضائق؟

ولماذا تبدو الديمقراطية أحيانًا أكثر جاذبية عندما تكون تحتها ثروة قابلة للحفر؟

ربما لا تكون المسألة أن الأمريكيين «يجدون النفط» كلما ذهبوا لجلب الحرية.

ربما العكس هو الأقرب إلى الحقيقة السياسية الساخرة:

إنهم يجدون الأماكن التي تستحق أن تُرسَل إليها الحرية بعد أن يعرفوا أولًا ماذا يوجد تحت ترابها.

وهنا يصبح السؤال الأخير أكثر قسوة:

لو اختفى النفط غدًا من بعض مناطق العالم، هل ستبقى «الحرية» الأمريكية مهتمة بها بالدرجة نفسها؟

أم أن بعض المبادئ، مثل الجيوش، تحتاج هي الأخرى إلى الوقود؟

شارك هذا المقال